أهم مكوّنات نظام المعتقدات لدَى الإنسَان التي تحقق التفوق الإنساني -ج2-

الإيمانُ ليس سوى شُعُورًا قلبيًا يَحكُمُ السُّلوك، يمكنُ أن يَكُون إيمَانًا باعثًا على القوة بشأنِ ما هو مُمكن، ويمكنُ أن يكون إيمَانًا باعثًا على العَجزِ أو الفشل وعدمِ تحقيقِ النَّجاح.

مكوّنات نظام المعتقدات لدَى الإنسَان

فلو آمنتَ في النَّجاح، فسوف تكُونُ لكَ القُدرَة على تحقِيقِه، وإذا كنت تُؤمن بالفَشَل، فإنَّ عقلَك يتبرمَجُ ويتغذّى بهذه الرَّسَائل وسيَميلُ لأن يُؤدي بكَ إلى الفَشَل، فكِلا الاعتقادين قوة هائلَة، وانتَ اختر بينهُما. 

يبدأ طريقُ الإيمان بنفسِك من خلالِ تجارِبك السابقة، فيكفيك أن تنجحَ مرة واحِدة لتبني الاعتقادَ بقُدرتك وأنّ الله يمدّك بالنَّجاح مراتٍ اخرى، فعندما قمتُ بتأليف كتابي الأول: (كيف يعمل القرآن؟) الذي استغرقتُ فيه أكثر من عام، تبيَّن لي أنه يمكنُني تأليف كُتُبٍ أُخرى لأفكارٍ أخرى مُفيدَة، فقد كانَ هذا نتيجة الايمانِ بالله أولا، ثمَّ بقُدرتي واعتقادي بأنني أستطيعُ النَّجاح فعلاً.

ومن جهةٍ أخرى فإنَّ الفشَلَ يولِّد الفشل، فالذين يعيشُونَ حياة مِلؤُها البؤس والتَّعاسة والانكسار، هم أناسٌ تمت برمجتُهُم بسلبيةٍ لفترةٍ طويلة نتيجةَ حرمانهم مما كانوا يصْبُون ويسعَونَ إليه، حتى أنهم فقدوا قُدرتَهم على الإيمانِ بأنفسهم نهائيا كما أنهم لا يفعلُونَ سِوى القليل أو أنهم لا يفعلُون شيئا أصلا.

وسأعطيك مثالا حول قوة من يتمسَّكون باعتقادات تمدُّهم بالقوة: 

-ألبرت أينشتاين، لم يكن قادرًا على النُّطق حتى سنِّ الرابعة ..كان فاشلا بمادة الرياضيات، معلميه قالوا عنه أنَّه لن يُصبح شخصًا ذو قيمة أبدا، وليس شخصًا مناسبًا للدخول إلى الجامعة.

-أوبرا وينفري، تعرضت للتحرش الجنسي عندما بلغت السادسة من العمر من قبل عمها وصديقه، ثم اغتصبها ابن عمها بالقوة فهربت إلى بيت والدها وعانت فيه كل أنواع الضرب والتعذيب، تم طردها من عملها كمقدِّمة اخبار تلفزيونية بعد أن أخبروها بأنها غير مناسبة للتلفاز، واليوم هي حاصلة على عدة القاب وجوائز، وتُعتبَرُ المرأة الأكثر إلهاما في العالم.

-جون مكافي، تمّ مداهمة منزله من قبل الشُّرطة وتم اعتقاله بتُهمة امتلاكه وحدة صغيرة لإنتاج المخدرات بصورة غير شَرعية وايضا بسبب حيازته على سلاح غير مرخّص. ثمّ أسَس شركة "مكافي" للحماية - أول من برمَجَ برنامج مُضاد للفَيروسات -- أفضَل مطوِّر لبرَامج البَحث عن الفايروسات.

-مايكل جوردان، بعد أن تمّ طرده من فريق كرة السلة في مدرسته الإعدادية ..ذهبَ وقامَ بحبسِ نفسِهِ في غرفتِهِ وبدأ بالبكاء بعدَ أن أحسَّ باليأس و خيبةِ الأمل .... ثمّ أصبَح بطلَ الأَن بي أي 6 مرات.

 وفي بعض الأحيان، لا يكون من الضّروري أن يمتلِكَ المَرءُ اعتقادا أو موقفا هائلاً بشأنِ شيء ما حتى يكتَبَ له النَّجاح، فأحيانا يحقّق البعضُ انجازاتٍ هائلة لمجرد أنَّ كلمتي صعب ومستحيل ليستا ضمن قاموسِهم العقلي.

والمكون الثاني يتعلَّق بالجانب الفسيولوجي (وظائف الأعضاء)، فالعقلُ والجسد على صلةٍ وثيقة، بالطريقة التي تستخدِمُ بها وَظَائف الأعضاء، الطَّريقة التي تتنفَّس بها وتقفُ وتجلسُ وتعبيرات وجهك، وطبيعة تحرُّكاتك.. كلُّها تحدِّد الحَالة النَّفسية التي تكُون عليها.

يقولُ أصحابُ التنمية الذاتية معظم الأشخاص يتعرَّضون لنوعين من الحالاتِ النفسية، حالة قوة، يشعُرُ فيها الإنسان بأنه لا يُمكنه أن ينهزِمَ وأنَّ كل شيء يفعله على ما يرام وأنه ناجح وو..

 وأحيانًا يتعرَّض لحالة ضعفٍ يشعُرُ فيها بأنه فاشِل ولا يمكنه أن ينجز أيّ شيءٍ بشكلٍ صحيح.. وهذا ما وصفهُ العالِم المسلم الزّاهِد ابن عطاء الله السكندري بثنائية (القبض والبسط)، أو (العطاء والمنع)، فهذه الحالتين تتَجاذبُ  الإنسانَ طَوال حياته من ولادتِه حتى وفاتِه، ويَستحيلُ أن يعيشَ شخصٌ ما حياته كلّها، إما في قبضٍ دائم وإما في بسطٍ دائم، وما يصنعُ الفارقَ هو طريقة تعامُلُ الشخص مع هاته الظُّروف والأحوَال وتقلُّبات الدُّنيا بين نعيمٍ وابتلاء، أو بمعنَى آخر، ما يصنعُ الفارق هو البرمَجَة العقلية للشَّخص وطريقة تفكيره.

فما الفرقُ بين الحالتين، فأنت نفسُ الشَّخص وتمتلكُ نفسَ الإمكانيات والقُدرات عمُوماً، الفارقُ هو الحَالة النَّفسية والعقلية التي تكون عليها، فهناكَ حالاتٌ تَمنَحُكَ الثِّقة والقوَّة والإيمان بنفسك وتمدّك بالنشوة الرَّوحية، وحالات تمنحَكَ الاكتئاب والضُّعف والقلق والتوتر النَّفسي والإحباط، تجعلُكَ لا حول لك ولا قوة، ولهذا أوصانا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالإكثار من الحوقَلَة (لا حول ولا قوة إلا بالله).

 ولذلك أيضًا، كانَ الذِّكر من أعظمِ ما يبعثُ على النَّفس الطمأنينة (ألا بذكر الله تطمئن القلوب)، فالرِّضى بنعم الله والصَّبر على منعِه، بالإضافة إلى كثرةِ الذِّكر، هو الطّريقُ للبرمَجَة العقلية الصَّحيحة للسعادة في الحياة. 

إذا، فإنَّ مُعتقداتِنا هي أسَاسُ التفوُّق، وهي التي تمثِّل اختياراتنا الأساسِية بالنسبة لكيفية إدراكنَا لحياتنا، ومن ثمّ كيفَ نَحيا هذه الحياة؟

لذا، فإنَّ أوَّل ما عليكَ القيامُ به بعد الإيمان هو إيجادُ معتقداتِك الإيجابية التي تقُودك إلى تحقيق النَّتائج المرجوّة. 

كتاب "نور على نور" لمؤلفه "تقي الدين مدور"