أهم مكوّنات نظام المعتقدات لدَى الإنسَان التي تحقق التفوق الإنساني -ج1-

 لقد ذكر "توني روبنز" في كتابه "قدراتٌ غير محدودة" أنَّ هناك ثلاث مكوِّنات رئيسية، يجبُ بناء المعتقداتِ عليها من أجلِ تحقيق أيّ شكل من أشكالِ التفوق الإنساني، التي تحقِّق جودة النتائج المرجوة. 

مكوّنات نظام المعتقدات لدَى الإنسَان التي تحقق التفوق الإنساني

وقد تمسّكت باثنين منها، وتخلّيت عن المكوّن الثالث وهو (التركيب الذِّهني للفرد)، لأنّي أرَى أنّ هذا المكوّن يدخُل ضمن نظام الإيمان عند الفرد، وسأُحاول صياغَتَها بطريقتي الخاصَّة.

فأمَّا المكون الأول، فهو نظام الايمان عند الفرد، فما يُؤمنُ به الفرد وما يعتقدُ إمكانية أو عدمِ إمكانية تحقيقِه يحدِّد بدرجةٍ كبيرة ما يمكن وما لا يمكنُ أن يقُوم به.

وذلك لأنّك عندما لا تؤمِن بقُدرتك على فعل أمرٍ ما، فإنك تُرسل رَسَائل مُتواصِلة إلى جهازك العَصَبي تحدُّ من قدرتِكَ على فعلِ ذلك الشيء بعينه.

أمَّا إذا كنت تُرسل رَسَائل الى جهازك العَصَبي تفيد بقدرتك على فعل شيء ما، فإنَّ جِهازَك العَصَبي سيُرسل إلى مخِّك إشاراتٍ لتحقيق النتيجة المرجُوَّة.

وعند بِدايتي ككاتِب، كنتُ أقُوم لمُحاكَاة أكبر الكُتَّابِ في العالم وأفكّر كما يفكِّرون وأحاوِلُ أن أتخيَّل نفسِي مكانهُم عندما أكتُب، وأنا مؤمنٌ تمامَ الإيمان بأنّي سأنال مُبتغَاي، حتى خرجتُ بأسلُوبي الخاص وبأفكَارِي الخاصَّة.

وقد واصلتُ الانتقال بين أنماطِ التفكير الأخرى حتى وفَّقني الله عز وجل لتحقيقِ نتائج مُذهلة في مدّة قصيرة.

في أحد الاجتماعات التي حضرتُها من أجل تأسيسِ جمعيةٍ ثقافية جديدة، وأثناء النقاش حولَ الأهدافِ والأخذ والرد، قام أحدُ الشباب بمداخَلة، من خلالِ سؤال مهمٍّ، حيث قال لنا: ما الفرقُ بيننا وبين الجمعيات الأخرى، فهناك ما يقرُبُ من ثمانين جَمعية تأسَّست وفشلت، أو تأسَّست وبقيت تحتَ إدارةِ شخص واحد لمصلحَة ضيّقة.

ثم أردف قائلًا: ما الذي يضمن أنَّنا سنستمرّ ونجاهد ونُكابد حتى نحقِّقَ أهدَافنا على مدَارِ أربع سنواتٍ قادِمة، تدخّل بعض الشَّباب بإعطاء الأسباب، وهنا لاحَت لي الفِكرَة التي لطالما شغَلت بالي، فقلت له: إنَّ المُشكل الأساسي، لا يكمُن في المُثابَرة ولا في الأدَوات، ولا في المِيزَانية ولا فِي أيِّ شيءٍ آخر، رغمَ أهمّيتها طبعًا.

 أنا أرَى أنَّ المشكلَة الرّئيسية هي مشكلَةُ الإيمان، فكيف سَتستمرّ في شيءٍ دون الإيمانِ به حقيقة، وكيف ستحقّق أهدَافَك وأنت لا تملكُ رُؤيَة واضحَة لما تريد، وعندمَا أقولُ الإيمان فأنا أعني الكلِمة بكلِّ معناها القلبي، عندما تؤمنُ بأهدافك وبحُرقَة، هنا حتما تأتي الاستمرارية رغمًا عنهَا، حتى وإن تَعثّرت وفشلتَ مرة أو اثنتين، فستستمرّ لأنّك تملكُ ذلك الشّيء الداخلي الذي يُعطيك القوة لإكمال مسَارك نحو أهدافِك.

إذًا، الإيمانُ أولا..

كَتبَ جُون ستيوارت ذات مرة قائلا: "إنَّ شخصا يتمتَّع بالإيمان له قوة تعادلُ تسعة وتسعين شخصا لا يؤمنون"، فالإيمان يُرسل بأمر مباشر إلى جهازِك العصبي، فعندما تؤمن بأنَّ شيئا ما صحيحَا، فإنك تصبح في حالة يصبح فيها هذا الشيء حقيقيًا فعلًا."

لذلك نقطة الانطلاق هي الإيمان بالله سبحانه وتعالى حق الإيمان، والإيمان بأنه على كلّ شيء قدير، وأنه يمكنه أن يجعلَكَ كما تريد إذا اتّخذت الأسبابَ اللاَّزمة لذلك. ولا يوجد أقوى مصدَر للإيمان من القرآن الكَريم.

تأمَّل هذه الآيات:

أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴿60﴾

 أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿61﴾ 

أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴿62﴾ 

أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿63﴾

 أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿64﴾ 

قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴿65﴾ بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ ۚ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا ۖ بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ ﴿66﴾

ألستَ كلَّما مَرَرت بآية قلت: بلى، واستشعرت أنَّ مشاعرك تفيض !

فإنّك بإيمانك بالخاَلق، والاستسلام لأوامره ونواهيه، يوفّر عليك جُهدا كبيرًا من الضّياع والتخبّط في الأسئلَة الفلسفِية والوُجوديَة، فقوة القرآن الكريم تكمُن في كلماته بما تحويه من قوَة روحية بثّها فيه سبحانه وتعالى، ولذلك تجدُ العديد من التفاسير والكثير من الخواطِر تستخرجُها من كلِّ آية، وكلّما أعدتَ تلاوَة آيَة وجدتَ وكأنّك لأوّل مرّة تقرأها.

كذلك التكرار في القرآن الكريم، من أجلِ برمَجة دماغِك، فكانت كلمة الله الأكثر تكرار ب2699 مرة، حتى تترسّخُ في ذهنيةِ الفَرد وجود الخالق الأوحَد، ويندثِرُ مفهُومُ العبَثية والصّدفة واللاَّدينية، كذلك مفردة الدنيا تكررت 115 مرة والآخرة تكررت 115 مرة أيضا، حتى تترسَّخ حقيقتُهما معا، وبنفس عدد المرّات. ونفس الشيء بالنّسبة للعديد من المُفرَدات منها، (الحياة والموت) تكررت 145 مرة، (الصالحات والسّيئات) تكررت 167 مرة. وقد تكرّرَت مُفرَدتَي (قل وقالوا) 332 مرة.ِ

فالإيمانُ لا يأتِي بين ليلةٍ وضُحاها، بل يحتاجُ لوقتٍ طويلٍ ينمُو فيه حتى يصِل إلى أعلَى الدّرجات، (فالإيمان أولا) هو نقطة البِداية..

ومن ناحيةٍ أخرى، آمِن بنفسك وأنه يمكنُك تحقيق ما تريد بإذن الله تعالى، لأنّ المعتقدات التي تحدّ من قُدُراتك مدمِّرة بنفسِ قوة المعتقدات الباعثة على القوة والثقة. 

وقد بثَّ القرآن على مرّ التاريخ القوة الرُّوحية في المَلايين من النّاس، ومَنحَهُم القُدرَة على فِعل أشياءَ ما كانُوا يظنُّون بأنفُسهم القدرة على تحقيقها أبًدا. فالإيمَانُ يُساعدُنا على إخراجِ أقصَى القدراتِ الكامِنة في أعماقِنا.

وفي الأصلِ، فإنَّ التاريخ البَشَري هو تَاريخُ الإيمانِ عند الإنسَان. فأولئِك الذين غيَّروا مَجرَى التاريخ هم أنفُسُهم الذين غيَّروا من معتقداتِهِم وسُلُوكهم ومن ثمّ غيرُوا معتقداتنا وسلُوكِنا.

وأولئك الذين تأثَّروا بالقرآن، غيّروا معتقداتِهم وسلوكَهم، ومن ثمّ غيّروا سلوك تلاميذهم ومُريديهِم.

يتبع..

الكاتب تقي الدين مدّور.