كيف يعمل القرآن؟

يقول الشيخ فريد الأنصاري: لا تحرير للأمة اليوم في معركة هذا العصر، إلا بالقرآن؛ لأنَّ طبيعة المعركة الجديدة قائمة على الكلمة! والقرآن العظيم هو الكلام القاهرُ فوق كلِّ كلام!

القرآن الكريم



من كلام الشيخ، يمكن أن أصيغ السُّؤال التالي: هل يمكن تحرير الأمة بدون القرآن؟ وقبل الإجابة عن هذا السؤال يجب أولا أن نعرف لماذا القرآن؟

لماذا القرآن؟

لفترةٍ ليست بالقصيرة، تبادرت إلى ذهني العديد من الأسئلة حول الحِكمة من إيقاف الله سبحانه وتعالى بعثَ الأنبياء بعد محمد صلى الله عليه وسلم؟ ولماذا كان القرآن هو معجزته الخالدة؟ فقد كان من الأفضل أن يبعث الأنبياء إلى يوم القيامة لإقامة الحجَّة (وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) وغيرها من الأسئلة التي تبدو بديهية للوهلة الأولى، ولكن الإجابة عليها ليست كذلك، وسأعرضها في ما أراه ثلاث نقاطٍ أساسية، وبالله التوفيق:

أولًا: القرآن ليس كتابًا سماويًا عاديًا كسائر الكتب السماوية، بل ميَّزه الله بأن حفظه و وضع فيه روحًا من أمره (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا)، وجعله حبله الممدُود الذي يصلُ عباده به (وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا).. وبذلك فهو يؤدِّي وظيفة الأنبياء في التّذكير والدعوة إلى التوحيد ومعرفة الله عزوجل حقَّ المعرفة.

ثانيًا: يبدو أنَّ عصر الخوارق والمعجزات قد ولّى، وحلّ مكانه زمان العلم، ففي العصور القديمة كان من السَّهل أن ينبهر الناس بالمعجزات، فقوم موسى برعوا في السِّحر والكهانة، ولكن بمجرّد أن تحوّلت عصاه إلى ثعبانٍ أكل عِصّيهم، خرُّوا سُجَّدًا مباشرةً، فقد تيقَّنوا بأنّ ذلك ما هو بسحرٍ بشري (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) وإنّما هو خارقة من الخوارق. وكذلك قوم عيسى عليه السلام، برعوا في الطبّ، فأبهرهُم بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، وهذه مجرّد أمثلة.. أمَّا في عصرنا الآن من الصَّعب جدًّا أن يؤمن الناس بمثل هذه الأشياء خاصّة، وأنَّ العلم تطور إلى أبعد ما يتصوّره العقل البشري، وصار كلّ شيء يفسّر بشكلٍ علمي، فهذا غاز الكيمتريل يمكنه أن يجعلَ الثلوج تتساقطُ في الصَّحراء !وهذه تقنية الهولوغرام، بإمكانها أن تُظهر صورة ملاك في السماء ثلاثية الأبعاد !، ولم تعد للخوارق دلالة على الله بالنّسبة لمعظم الناس المفتونين، وربما حتى لو بعث الله نبيا الآن لما صدَّقه أحد.

ثالثًا: إنّنا في زمن الإعلام! يقول الشيخ فريد الأنصاري: والإعلام اليوم هذا الطاغية الذي يسمُّونه (السلطة الرابعة)، ليس في واقع الأمر إلا السُّلطة الأولى لأنَّ المتسلط على الخلق، الحاكم أمرهم بالحق أو بالباطل؛ إنّما وصل إلى مبتغاه من التسلط والتحكُّم بالكلمة! فحتى عندما يكون الأسلُوب المتَّبع في التسلُّط قهريا؛ إنّما صنع الطاغية أدوات قهره وتجبره في البداية بالكلمة! ومن ذا الذي قال إنّ الكلمة هي الصوت فقط؟ إنّما الكلمة مفهوم يتواصل به الإنسان عبر اللغة الطبيعية، الصوتية أو الإشارية أو الصورية أو السيميائية، إلى غير ذلك ممَّا في الوجود من رموزٍ وأشكال نُصِبَتْ للدلالة على معنى، كل ذلك كلام!

إنَّ الطواغيت الذين قهروا الناس في الأرض عبر التاريخ لم يكونوا بشرًا فوق البشر في أبدانهم ولا في عقولهم، ولا كانوا آلهة في واقع الأمر، وإنَّما هم متكلمون فقط، أسَّسوا أسطورة من الكلام في أذهان الناس وسحرُوهم بها. ومثال ذلك فرعون حينما قال لقومه (أنا ربُّكم الأعلى).. ثم تأمَّل ما أعقب الله به خطاب فرعون: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ!) فهو إنَّما استخفَّ في الواقع عقولهم.

ويُعتبر الإعلام اليوم أخطر وأرهب ممّا كان من قبل في التاريخ – يمكنك أن تعرض رأيك لجميع سُكان الكرة الأرضية في لحظة!

كذلك مصطلحات مثل: الحداثة، وحرية المرأة، والديموقراطية، والليبيرالية، العولمة أو العدالة المطلقة، والشرعية الدولية، وما شابهها من مقولاتٍ ساحرة، ليست إلاَّ وسائط إعلامية أنتجها كهنة عصرنا الكِبار، للتمكين للمستكبرين وتحقيق غطرسة المتغطرسين وتمديد ظلمهم العتيد. إنّ الإنسان لما يتوهم أنه مغلوبٌ على أمره، أو أنه لا يستحق أن يكون حرًّا، يخضع بصورةٍ تلقائية لمن غلبه بهذه الأكذوبة.. أرأيت أخي القارئ قوة الكلمة في الإقناع!

من هذا المُنطلق كانت معجزة هذا العصر هي القرآن، فالقرآن بما يملكُه من قوَّة خارقة في تحرير الإنسان من عبودية الشَّهوات التي تـثقله إلى التراب، وتملي عليه تقديس الحياة الفانية، وتخضعه لمن يهدِّده بالقتل والتشريد فيها، وبما يملكه من سلطانٍ رباني على النُّفوس يجعلها تبصر حقيقة أنّه: لا إله إلا الله الواحد القهار.

القرآن له سرٌّ عجيب في التحويل الوجداني العميق لفكر ومسار الإنسان، من كائنٍ ضئيل يدور يتخبّط في متاع الدنيا الشهواني إلى كائن كوني كبير يدور في أرجاءِ الكون الفسيح، حيث يرى بعين القرآن حقيقة نفسه وحقيقة الحياة.

كيف يعمل القرآن؟

القوقعة الفكرية

يبدو أنَّ الإنسان يعيش داخل قوقعة فكرية محصّنة، نشأت من محيطه وبيئته التي عاش فيها، وهو لا يرى الحقيقة إلا من خلالها. فهو يظن أنّه على حق وأنّ قبيلته أو عرشه على حق و تجعله يضخِّم محاسنه الخاصة في الوقت الذي يضخِّم فيه مساوئ غيره، وقد يصل به الأمر إلى اتهام الناس بالكفر والزندقة لأنّهم خالفُوه في أفكاره!

فكلُّ طائفة من الناس تعتقد أنَّ ثقافتها هي الصَّحيحة وأنَّ قيمها الاجتماعية هي المعيارُ الثابت الذي يمتاز به الحق عن الباطل، فالشِّيعة يرون أنّهم على حق، والسّلفية الوهابية يرون أنّهم على حق، والقاديانيين يرون أنّهم على حق، ومن قبل كان المعتزلة، المرجئة، الجهمية وغيرهم من الطوائف يرون أنّهم على حق.. فالإنسان الذي ينشأ في مجتمعٍ معيّن لابدَّ أن يتأثّر بمقاييس ذلك المجتمع من حيث يشعر أو لا يشعر، ويصعب على الإنسان أن يتخلَّص من قوقعته الذاتية مهما حاول.

إنَّ المقاييس الفكرية الخاصّة بمجتمعه قد انغرزت في عقله الباطن وأصبحت توجّه تفكيره من حيث لا يدري. فتفكيره مُحاطٌ بإطار لا شعوري. هو يظن بأنه حرٌّ في تفكيره وهو واهمٌ في ذلك، إذ أنّه لا يختلف في قيوده الفكرية عن غيره من الناس. والمشكلة أنه يلاحظ قيود غيره ولا يستطيع أن يرى قيوده الخاصة به.

هنا يأتي دور القرآن فهو الوحيد القادر على إعادة صياغة الفِكر من جديد صياغةً صحيحة ويكْسر كلَّ الأباطيل والأوهام الكامِنة بداخله، فهو يحوي قوة تأثيرية عجيبة تدخل على قلبٍ مخلص، فتهدُّه هدًّا، وتزلزله زلزلةً عنيفة، وتجعل أفكاره وقناعاته تتغيّر من حيث لا يدري.. بالله عليك أخي القارئ، اقرأ هذه الآيات بقلبٍ خاشع.. (طه (1) مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى (3) تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى? (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى).

ازدواجية الشخصية

وهذه النقطة مكمّلة للسابقة بحيث تجعل القوقعة الفكرية، الشّخص ذو شخصيتين! وهذا معناه أنّ الشّخص يُصبح مُجبرًا على إيجاد حلٍّ لمُشكلة الدّين. كيف؟ هو يريد الدنيا ونفسه تتوقُ لها، ولكن عقله وبيئته تقول بأنّ هناك الله وهناك الدِّين وهناك الحساب، وبذلك ينتهجُ السَّبيل المزدوج: يستمع إلى الموعظة، ثم يفعل ما يشاء !.. مثله كمثل الطفل الذي يسمع المواعظ والنَّصائح المثالية في المدرسة، فإذا خرج يلعب في الأزقّة وجد نفسهُ منجرفًا في تيّارٍ قوي حيث الأطفال يتشاجرون ويتشاتمُون ويتناهبون، فيتماشَى معهم.

فإذا كثر الأفراد المزدوجُون تشكَّل مجتمعٌ مزدوج، وهنا نفهم مسألة لماذا لا يتغيرّ الناس رغم الكمّ الهائل من المواعظ، ذلك لأنَّ الوعظ يجعل الناس شديدين في نقد غيرهم، فالمقاييس الأخلاقية التي يسمعُونها من أفواه الوُعاظ عالية جدًّا. وهم لا يستطيعون تطبيقها على أنفسهم فيلجأون إلى تطبيقِها على غيرهم، ولذلك يكون نقدهم شديدًا.

والآن، هل يُمكن لهذا الصِّنف أن ينصُر الله، كلاَّ وألفُ كلاَّ، فالله كما قال أينشتاين لا يلعب بالنرد، بمعنى أنّ كلّ شيء موزون وموضوع بدٌقة عجيبة، حتى النّصر له قوانينه الصّارمة (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).. (إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ).. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ).

وهنا نصل إلى القرآن أيضًا، فهو الشافي الهادي (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ)، فإذا شفيت الصدُّور وجدت خفَّة نفس في الطاعات..وإذا شفيت الصدُّور انقادت للنُّصوص بكلِّ سلاسة ونفرت من التأويل والتحريف.. وإذا شفيت الصدُّور تعلَّقت بالآخرة واستهانت بحُطام الدنيا.. وإذا شفيت الصدُّور امتلأت بحمل همّ إظهار الهدى ودين الحق على الدين كلّه.. والعجيب في الأمر أنَّه إذا شفيت الصدُّور استقزمت الأهداف الصغيرة.. تلك الأهداف التي تستعظمُها النُّفوس الوضيعة، كالولع بالشهرة، حبّ الظهور، شهوة الرياسة والجاه.. فالنُّفوس التي شفاها القرآن ترى كل ذلك حطام إعلامي ظاهره لذيذ، فإذا جرَّب الإنسان بعضه اكتشف تفاهته.. وأنّه لا يستحقّ لحظة من العناء فضلًا عن اللهث لسنوات.

قد يبدو للبعض أنّي أغالي في الكلام عن القرآن، ولكن صدّقوني، إنّ القرآن يصقُل النّفس لدرجة أن تتكلّف لتبدو عاديًا وسط غوغاء النّاس! ولا يعرف لذّة القرآن إلاّ من ذاقها، ومن ذاقها لا يستطيع أن يصفها بدقّة!

وقد يتساءل سائِل: لدينا الكثير من الزَّوايا والمدارس القرآنية والآلاف من المراكز التعليمية والفقهية والملايين من الحَفَظَة.. وغير ذلك، ولكن أين النّصر! كما يقول سيد قُطب: والله إنّ النَّصر فوق الرؤوس ينتظر كلمة (كن) فيكون، فلا تشغلوا أنفسكم بموعد النصر، انشغلوا بموقعكم بين الحق والباطل، فالمشكل ليس في النّصر ولكن في جيل النّصر، بمعنى أنّ ما ذكرته سابقًا لم يغنِ عنّا شيئًا، حيثُ نحتاج إلى أن نُقبل على القرآن بشكلٍ آخر، بأن نسلّمه أنفسنا ليفعلَ فيها الأعاجيب، ليغيّرنا أولا ويُصلحنا، ثم لنكون جيل التمكين والنّصر بإذن الله.

إنها معركة القرآن

إن السّلام لن تصنعه غطرسةُ أمريكا وأحلافها، ولا جبروت الكيان الصهيوني، وما ينتجه في العالم كلّه من خراب ودمار. ما كان للظالم أبَدًا أن يصنع المحبة والسلام، وأدرى الناس بهذه الحقائق هو الظالم نفسه! ولكنّه سِحر الكلام، ودجل الإعلام، يجعل السم القاتل عسلًا شافيًا، فيأكله الضَّحية بيده مختارًا. فالقرآن هو الذي يصنع السلام العالمي بحق.

إنَّ السَّلام العالمي لن يكون إلا وليد النُّور الإلهي، النُّور الذي يشرق في قلوب المؤمنين بالخير والجمال، بما يسكبه القرآن في وجدانهم، من معاني الحق والعدل والحرية، فهي معركة يخوضها القرآن بكلماته ضد كلمات الشيطان.

وأخيرًا..
إن هذا القرآن كلام غير عادي تمامًا، إنّه كلام خارقٌ قطعًا، إنه كلام الله رب العالمين. (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)، فإذا أحببت أخي القارئ أن تتأثر بالقرآن وتنتفع به، فغيِّر نظرتك إليه، وسلّم نفسك له، وأقبل عليه بتلاوة وِرد تدبُّر لمدة ساعة في 365 يومًا في السّنة بشكلٍ يومي!


ملاحظة: نشرتُ هذا المقال لأول مرة على ساسة بوست