مقال رائع .. الناس في زماني ..!

الناس في زماني ... انخدعوا بمظاهر كاذبة .. وانجذبوا لبريق واهِ .. وضلال زائف .. فرفعوا شعار العزة والتقدم وهم الأذلاء .. الأغبياء الذين ضحك عليهم الشيطان فلا هم إلى المجد قادمون ،ولا إلى الحضارة ناظرون .. بل إلى التأخر القاطع والجهل المعجز، والإفلاس المهلك ،إلا من رحم الله.

الناس في زماني

الناس في زماني ،قلدوا دون وعي ،وصوروا دون إدراك .. فإذا ما تصنع الغرب صنعة صنعوها ،فإذا تركوها خلعوها . وإذا ما سب الغرب شيئا سبوه ..و إذا ما حمدوه فضلوه ، ليس لهم فكر يحكمهم ،ولا سمة عامة .. ولا آصالة تحدد مسيرتهم ،فإلى التقليد ياقوم .. لا إلى الأصالة ،تلك نداؤهم ،وهذا أشعارهم .. فخاب مسعاهم ووهنت حجتهم ..وخرج أبناؤهم ضياعاً عند مفترق الطرق .. إلا من رحم الله.

الناس في زماني .. ينامون على فيلم .. ويصبحون على سيجارة ،ويأكلون كرة القدم ، ويتحدثون بأهل الفن في الطرقات وعلى مكاتب الأعمال ،وفي الأزقة، والرحلات لاهمَّ لهم .. ولا شاغل عندهم ،ولا قضية في حياتهم ،إلاَّ اللَّهو ،وفرحة القلب وبشاشة الوجه ،والوجوه الحسناء ،والأيدي الناعمة ، والبطون المهتزة ، والأدوار الخلابة ، والبطولة القديرة..والهدف المسدد .. فلا آمال لتحقيقها ، ولا غايات لنيلها ،ولا أخلاق لاكتسابها ،فضاعوا ، ثم ضاعوا .. إلا من رحم الله.

الناس في زماني .. يقدسون الأموال ،ويبيعون الشرف والعرض، بل الحياء والإباء ،ويتحللون من الوعد ، وينقضون العهد ، ويكذبون وينافقون .. ويثرثرون ولا يناموا ليلهم ويسعوا أطوال نهارهم .. في نكد وتعب ونصب .. من أجله.

رغم إدراكهم زواله ، وبقاء أخلاقهم وأعمالهم .. فلم يعد عندهم وقت لله ، أو التفكر في خلقه .. أو لوزن نفوسهم وذاتهم ، أين هي ولما ..؟
فتحولوا دون أن يدركوا إلى نفوس غير آدمية .. لا تعرف الرحمة . ولا تدري الإحساس ،ولا تفهم الحنان ، ولا تقدر الظروف .. إلا من رحم الله.

الناس في زماني يتحاسدون ، يتباغضون ، يتحاقدون ، يتنافسون .. يتحاربون يدبرون الخطط .. ويرسمون الطرق ،، ويتربصون الدوائر .. ويفسدون ،ويفسقون للوصول إلى مركز .. أو لتحقيق شهرة ، ولو كانت على الوهم .. لاكتساب المودة والاحترام .. فلم ينظروا إلى ميت بعد مماته ، ولم يتحققوا من ملك عند احتضاره .. لأنهم تناسوا الساعة وأهوالها ، ونسوا الممات ورب الكائنات .. إلا من رحم الله.

الناس في زماني .. ينظرون إلى أهل الصلاح بنظرات السوء، يتقولون عليهم الأقاويل ،يقذفونهم بالسب، ويرمونهم بالتهم .. لأنهم وزنوا الأمور بميزان الباطل .. فاستحوذ عليهم الشيطان ،فسلط الله عليهم المشكلات ، وضيق عليهم الأرزاق ، ومكن منهم الحطام .. ينهمون أقوالهم تحت شعارات زائفة ، ثم يخرجون إلى المنابر لإعلان الفرج بالخير وقدومه، والوصول إلى النور ، ولكنهم في الظلام قادمون ،فكفى يا قومنا كفى وألف كفى..
وأنجح سبيل ..وHقوم طريق ، طريق رب العباد ، عنده لا تذل،وعليه لن تهلك .. فمعك الله.
لقد أغر الشيطان الناس في زماني .. كعادته في كل زمان .. ولكن كان في هذا الزمان أكثر إغواء ..

ولكن .. ليعمل الناس .. وليعلموا أنهم بذاتهم يستطيعون إدراك بعض أسرار الكون والتعلم منه .. فيتقوا ربهم ويقهروا هواهم .. فإننا حينما نعرض لفساد الناس في زماننا لا ننكر قيمتهم .. بل لهم مكانة قيمة يستطيعون بها تحقيق ذاتاً جديدة ، فإننا لو أنكرنا مكانة الإنسان وجمَّدنا قيمته ،لم يبق لنا شيئ في الأرض نلوذُ به ونأسى إليه من وحشة الصمت المطلق والسكون المطبق، والبكم والصمم ، والعمى التي تغمر غيره من كائنات لم تدع في الحياة حديثا مفهوما عن غايات الحياة ،ولولاهُ لكنتُ صُندوقا أبكمَ فارغاً إلا من معاني غرائز معطلة ،وتجارب شهوات قليلا ما تتحرك ..

إن كل شيئ في الطبيعة صامِتٌ جامدٌ لا يعطي جواباً عن غايات الحياة إلا هذا النوع (الإنسان) .. فمن قلوبه وعقوله تنبثق المعاني المكتومة المسجونة في أطواء المواد والقوى ، وفي بيانه أصوات ربطت الكون كله ،ولاءمت بين نسبه المختلفة، ولخَّصته واختزلته ووضعته أمام الفكر ملمُوماً ..
وفيه نغمة مفهومة رقيقة وسط صخب الأمواج التي لا عدد لها في البحار، والهبوات التي لا عدد لها في الأجواء.
إنه مشبوب الحاجة وأتمها ،واسع الآمال والخيال في تشكيل المواد وتنويعها وتصريفها وتسخيرها والاحتفاء بكل سر فيها.

لقد استمرت الأرض من قبله جامدة ،وبدا من الطبيعة أن كل شيئ فيها كان ينتظر وجود هذا النوع ليقول لفكره ويده .. هأنذا لكما !
ومازالت المرآة التي فيه ،وهي عقلة تنطبع فيها صور الكائنات واحدا تلو الآخر ،وهو يحولها وينقلها من عالم الجماد والصمت، إلى عالم الأسماء والبيان والصور والتعبير.

من كتاب: مملكة إبليس - تأليف إبراهيم محمد الجمل -