دراسة: الإحساس بالمشاعر السلبية وقبولها لا غنى عنه لصحتنا العقلية !

إن الغضب والحزن كلاهما في الحقيقة جزء مهم من الحياة، إذ تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الإحساس بهذه المشاعر، وقبولها، لا غنى عنه لصحتنا العقلية، بل إن كبح الأفكار يمكن أن يؤدي إلى عكس النتائج المرجوة، لدرجة أنه يمكن أن يقلص شعورنا بالرضا. ويقول اختصاصي علم النفس جوناثان أدلر -من كلية فرانكلين دبليو أولين للهندسة-: إن الإقرار بتعقيد الحياة قد يمثل سبيلًا ناجحًا إلى تحقيق الصحة النفسية.

الإحساس بالمشاعر السلبية وقبولها

البؤس الهادف!

لا شكّ أن المشاعر الإيجابية قد تكون مفيدة للصحة العقلية، التي تعرّف في نظريات اللذة بأنها "وجود المشاعر الإيجابية، والغياب النسبي للمشاعر السلبية، والشعور بالإشباع في الحياة". لكننا إذا أخذنا هذا التعريف على علاّته، فسوف نجده غير ملائم لطبيعة الحياة الفوضوية. إضافةً إلى ذلك، يمكن أن يجعل نظرة الناس وردية إلى الحد الذي يدفعهم إلى تجاهل الخطرِ أو اللاّمبالاة.

من ناحيةٍ أخرى، تُشير الطُّرق العِلاجية التي ترتكِز على فلسفة السّعادة إلى أهمية الإحساسِ بالمعنى، والنُّمو الشّخصي، وفهمِ الذات، باعتبارها أهدافًا لا تتحقق إلا عبرَ مواجهة الحياة بتنوعها وثرائها. إنّ المشاعر السيئة لا تقلُّ أهمية عن المشاعر الممتعة، فكلٌّ منهما يساعد على إعطاء النجاحات والإخفاقات الحياتية معنى وقيمة.

يقول أدلر: "تذكَّر أنّ أحد الأسباب الأساسية لامتلاكنا مشاعر، هو مساعدتنا على تقييم خبراتنا". لقد فحص أدلر، ومعه هال إي هيرشفيلد، وهو أستاذ للتسويق بجامعة نيويورك، الرّابط بين خبرة المشاعر المختلطة والصِّحة النفسية، لدى مجموعة من الأشخاص، خلال مرورهم باثنتي عشرة جَلسة من جَلَسات العلاج النفسي.

لقد طلب من المشاركين قبل كل جلسة أن يملأوا استبانات هدفها تقييم صحتهم النفسية. كما طُلب منهم أن يكتبوا سردًا لما مرّوا به في حياتهم من أحداث وما جرى معهم في أثناء جلسات العلاج، التي كانت تهدف إلى تحقيق الرضا العاطفي لديهم.

كتب أدلر وهيرشفيلد في تقريرهما لعام 2012، إن الشُّعور بالابتهاج والاكتئاب في وقت واحدٍ، كمثل ما كتبه بعض المرضى: "أشعر بالحزن أحيانًا بسبب كل شيء أمر به، ولكنني سعيد ولديَّ أمل، لأنني أعمل، بالرغم من مشاكلي"، كان مقدمةً لتحسن الصحة النفسية خلال أسبوع أو أسبوعين، حتى لو كانت المشاعر المختلطة التي أخبرها أولئك المرضى في ذلك الوقت سيئة.

لقد وجد الباحثان أن "المرور بالجيد والسيئ معًا قد يخفف من الآثار الضارة للخبرات السيئة، على نحو يجعل لكل من الجيد والسيئ دورًا لدعم التحسن في الحالة النفسية".

وللمشاعر السلبية في الأغلب دور في مساعدتنا على البقاء، فالمشاعر السيئة - كما يقول أدلر- يمكن أن تكون علامةً مهمة، ودالّة على أنّ هناك ما يتطلب الانتباه، كمشكلة صحية مثلًا أو علاقة من نوع ما.

إن أهمية المشاعر السِّلبية للبقاء قد تفسر لماذا يكون كبتها عقيمًا وغير مثمر إلى حد بعيد، ففي دراسة سيكولوجية نُشرت عام 2009 بواسطة ديفيد جي كافاناج وزملائه من جامعة كوينزلاند للتكنولوجيا بأستراليا، طلب الباحثون من الأشخاص الذين كان يتم علاجهم من إدمان الكحول، أن يملأوا استبانةً تُقَيِّم دوافعهم ومدى رغبتهم في الشّراب، كما يرصُد أية محاولات لكبحِ الأفكار ذات الصلة بهذه الرغبة خلال الأربع والعشرين ساعة السابقة على إخضاعهم للعلاج.

وجدَ الباحثُون أنَّ الأشخاصَ الذين كافحُوا ضدَّ الأفكار التي اجتاحتهم بشأن شُرب الكحول، كانوا بالفعل أكثر عرضةً له. ولقد رجحت اكتشافات مشابهة لذلك من دراسة أخرى نشرت عام 2010، أن محاولات تجاهل المشاعر السلبية يمكن أن تؤدي إلى الإفراط في الأكل، أكثر مما لو أدرك المرء أنه مجرد غاضب، قلق أو سوداوي.

وحتى لو نجحْتَ في تجنُّب التأمُّل أو التفكير في موضوع معين، فقد يظل عقلك الباطن متعلقًا به، ففي دراسة نشرت عام 2011، طلب رتشارد إيه برايانت وزملاؤه بجامعة نيو ساوث ويلز في سيدني، من بعض المشاركين في الدِّراسة، دون البعض الآخر، أنْ يكبحوا فكرًا غير مرغوب فيه قبل النوم. وكانت النتيجة، أنّ أولئك الذين قمعوا تفكيرهم زارهم هذا الفكر في أحلامهم أكثر ممّا حدث مع مَن لم يُطلب منهم كبح ذلك الفكر، وهي ظاهرة تسمى ارتداد الحلم.

الإحساس بالمشاعر السلبية وقبولها

والحل ..

بدلًا من تجنب المشاعر السلبية أو محاولة الابتعاد عنها، يجب عليك أن تتقبَّل مشاعرَك قبل أن تندفع بسرعة إلى تغيير حالتك العاطفية. يرى كثير من الناس أن التنفُّس البطيء والعميقَ في أثناء محاولة تحمّل المشاعرِ القاسية، أو تخيُّل هذه المشاعر كما لو كانت سحابات هائمة، يمكن أن يساعدهم على تجاوزها، إذ تكون كتذكِرة لهم بأنهم سوف ينجحون ويتخطَّون محنتهم. إنني أقول لمرضَاي إن الفِكر هو مجرد فكر والشعور هو مجرد شعور، ولا يصح أن نحمِّل الأمور أكثر مما تحتمل.

وإذا كانت العاطفة غالبة وقوية، فربما تحتاج  أن تنفّس عن شعورك بكتابة ما تشعر به في دفتر يوميات، أو تبوح به لشخص آخر. إنّ هذا التمرين قد يغير الزاوية التي تنظر للأمور من خلالها، ويمنحك شعورًا بالنهائية. أما إذا طال أمد عدم الارتياح، فلتفكر في اتخاذ إجراء؛ إذ ربما تحتاج لأن تصارح صديقًا لك مثلًا بأن تعليقه كان جارحًا، أو أن تبادر إلى ترك عملك إذا كان يمثل مصدرًا لتعاستك.

قد تفيدك أيضًا ممارسة تمارين ذهنية تساعدك على أن تصبح مدركًا لخبرتك الحالية، من دون الاستغراق في الحكم عليها. ومن الطرق الفعالة لتدريبك على هذه الممارسة، أن تركز على تنفسك بينما تواصل التأمل، وتقنع نفسك بتقبل أية أفكار أو مشاعر عابرة. إن هذا التمرين قد يجعل من السهل تقبل الأفكار السيئة (انظر مقالة: "الوجود في الحاضر"، بواسطة أميشي بي جا، ساينتفك أميريكان مايند، مارس/إبريل 2013). لقد وجد جارلاند وزملاؤه، في وقت مبكر من العام الحالي (2013)، أنه من بين 125 شخصًا كانوا يخضعون للعلاج من الإدمان، وكان لهم تاريخ في التعرض للصدمات النفسية، فإن الأفراد الذين كانوا أكثر ممارسة للتفكير العقلي، تأقلموا مع صدماتهم على نحو أفضل من الآخرين، كما كانت رغبتهم في المخدِّر أقل حدة.

وبالمثل في دراسة نُشرت عام 2012، وجدت اختصاصية علم النفس شانون ساور-زافالا وزملاؤها، من جامعة بوسطن، أن العلاج الذي تضمن تدريبًا ذهنيًّا، ساعد الأفراد في التغلب على اضطرابات القلق والتوتر لديهم، ولم تتحقق هذه النتيجة بواسطة تقليل المشاعر السِّلبية، وإنما بتدريب المرضى على تقبلها.

تقول ساور-زافالا: "من المستحيل أن تتجنب المشاعر السلبية بجُملتها، لأنك لكي تعيش، فهذا معناه أن تمر بعقبات وصراعات"، وتضيف أيضًا قائلة: "إن تعلُّم كيفية التأقلُم مع هذه المشاعر هو المفتاح". فإن مريضي، ما إن تقبَّلَ أفكاره، ونفض عنه خجله وشعوره بالذنب، حتى استوعب مشكلاته بوضوح أكثر، ومضى قدمًا في طريق التعافي.

المصادر: scientificamerican