هذه رسالة زوكيربيرغ الكاملة من 6000 كلمة بشأن طموحات فايسبوك العالمية

الرئيس التنفيذي لشركة فايسبوك "مارك زوكربيرج" يعتقد أن الفيسبوك يمكن أن يُساعد في إنقاذ العالم، وقد كتب ما يقرُب من 6000 كلمة يوم الخميس موضِّحا كيفية القيام بذلك. رسالته، التي أطلق عليها موقع recode اسم "مانيفاستو مارك" وتعني البيان الرسمي لمارك، تُقدِّم لمحَة عن تطلعات زوكربيرج العالمية .. وها هي إليكم بالكامل..

رسالة زوكيربيرغ

الرسالة --------------------------------------------------------------------------------------------------------------
بناء مجتمع عالمي
لمجتمعنا،

في رحلتنا لربط العالم، ندردِشُ عادةً بشأن منتجاتٍ نبنيها وتحديثات لأعمالنا. اليوم أود التركيز على السؤال الأهم من كل شيء: هل نبني العالم الذي نريده جميعًا؟

التاريخ قصةٌ تروي كيف تعلَّمنا أن نجتمع سويًا في أعدادٍ كبيرةٍ، من القبائل إلى المدن فالدول. وفي كل خطوةٍ، قمنا ببناء بنية تحتية اجتماعية، مثل المجتمع، والإعلام، والحكومة لتُمكِّننا من تحقيق أشياء لم يكن بمقدورنا تحقيقها لو عمِل كلٌّ منا بمفرده.

اليوم نحن على وشك اتخاذ خطوتنا المقبلة. أعظمُ فُرصنا الآن هي فرصٌ عالميةٌ، مثل نشر الرخاء والحرية، والتبشير بالسلام والتفاهم، وانتشال الناس من الفقر، وتسريع وتيرة التقدُّم العلمي. كما تتطلَّب التحديات الكبرى التي تواجهنا استجابات عالمية أيضًا، مثل إنهاء الإرهاب، ومكافحة تغيُّر المناخ، ومنع الأوبئة. يتطلَّب التقدُّم الآن أن تجتمع الإنسانية كلها سويًا، ليس فقط باعتبارها مدنًا أو دولاً، بل مجتمع عالمي واحد.

إنَّ هذا مهمٌّ جدًّا، وخصوصًا في الوقت الراهن. قامت فيسبوك بتقريب البشر إلى بعضهم البعض وبناء مجتمع عالمي. حينَ بدأنا،لم تكُن هذه الفكرة محلَّ خلاف. في كل عام، أصبح العالم أكثر اتصالًا، وكان يُنظَر إلى هذا على أنَّه اتجاهٌ إيجابي. لكن الآن ثمَّة أناس في كافة أنحاء العالم تخلَّفوا على ركب العولمة، وثمَّة حركات تدعو إلى الانسحاب من ذاك الاتصال العالمي. ثمَّة شكوكٌ بقدرتنا على بناء مجتمع عالمي يعمل من أجل الجميع، وأسئلةٌ تثور عن الطريق الذي ينبغي لنا أن نسلكه: هل باتجاه مزيدٍ من الاتصال أم الالتفاف والعودة إلى الخلف؟

هذا وقتٌ يفكِّر فيه الكثيرون منَّا في العالم أجمع كيف يمكنهم تعظيم أثرهم الإيجابي. يُذكِّرني هذا بالمقولة المُفضلة لديّ عن العمل في مجال التكنولوجيا: "نبالغُ دائمًا في تقدير ما يمكننا إنجازه في عامين، بينما نبخس ما يُمكننا إنجازه في 10 أعوام". رُبَّما لا نملك القدرة على بناء العالم الذي نريده في هذه  اللحظة، لكن يمكننا جميعًا اليوم البدء في العمل ناظرين إلى المدى البعيد. في أوقات كهذه، أهم ما يمكننا فعله في فيسبوك هو تطوير البنية التحتية الاجتماعية لنعطي الناس القوَّة لبناء مجتمع عالمي يصُب في صالحنا جميعًا.

في العقد الماضي، كان تركيز فيسبوك منصبًا على وصل الأصدقاء والأقارب ببعضهم. وعلى هذا الأساس، فإنَّ تركيزنا التالي سينصبُّ على تطوير البنية التحتية الاجتماعية لدعم إقامة مجتمع متكامل، يدعمنا، ويحمينا، ويمدنا بالمعلومات، ويعزز المشاركة المدنية واستيعاب الجميع.

إنَّ جمع الناس كافةً في مجتمعٍ عالميٍّ واحدٍ لهو مهمةٌ أكبر من أيَّة مؤسسة أو شركة بمفردها، لكن فيسبوك تستطيع المساهمة في الإجابة عن هذه الأسئلة الخمسة المهمة:

* كيف يمكننا مساعدة الناس في بناء مجتمع داعم، يُقَّوي المؤسسات التقليدية في عالمٍ تتناقص فيه عضوية هذه المؤسسات؟

* كيف يمكننا مساعدة الناس في بناء مجتمع آمن، يدقع الضرر، ويساعد في المُلِمَّات، ويُعيد البناء في عالمٍ يستطيع فيه أي أحدٍ أن يؤثِّر فينا حيثما كان؟

* كيف يمكننا مساعدة الناس في بناء مجتمع مُطَّلع، يُعرِّضنا إلى أفكار جديدة ويبني تفاهمًا مشتركًا في عالمٍ لكل شخصٍ فيه صوته الخاص؟

* كيف يمكننا مساعدة الناس في بناء مجتمع يعزز المشاركة المدنية، في عالمٍ يشارك في انتخاباته أقل من نصف تعداد الناخبين أحيانًا؟

* كيف يمكننا مساعدة الناس في بناء مجتمع شامل، يعكس قيَمَنا الجمعية وإنسانيتنا المشتركة على المستويات المحلية والعالمية، ممتدًا عبر الثقافات، والأمم، والمناطق، في عالمٍ لا يحتوي سوى القليل من المجتمعات التي تتسم بالعالمية؟

أملي هو أنَّ عددًا كبيراً من البشر سيخصص طاقاته لبناء تلك البنية التحتية الاجتماعية على المدى البعيد التي من شأنها جمع العالم كله. لن تأتي إجابات كل الأسئلة الخمسة السابقة من فيسبوك، لكني مؤمنٌ بأنَّنا يمكننا القيام بدورٍ.

مهمَّتنا في فيسبوك هي مساعدة الناس في كسب أكبر قدرٍ من التأثير الإيجابي، مع الحد من المجالات التي قد تتسبَّب فيها التكنولوجيا والشبكات الاجتماعية بالانقسام والعزلة. إنَّ فيسبوك مشروعٌ يتطوَّر باستمرار، ونحن حريصون على التعلُّم والتحسُّن. وإنَّنا جادون بشأن مسؤوليتنا، واليوم أريد الحديث عن خطَّتنا في النهوض بدورنا في بناء هذا المجتمع العالمي.


المجتمعات الداعمة

إنَّ بناء مجتمع عالمي يخدُم الجميع يبدأ بملايين المجتمعات الصغيرة والهياكل الاجتماعية الحميمة التي نلجأ إليها لتلبية حاجاتنا الشخصية، والعاطفية، والروحية.

سواء أكانت هذه الهياكل هي الكنائس، أو الفرق الرياضية، أو النقابات والجماعات المحلية الأخرى، فإنها تشترك جميعًا في النهوض بدور مهم كونها تُمثِّل البنية التحتية الاجتماعية لمجتمعاتنا، إنَّها توفر لنا جميعًا شعورًا بالمعنى والأمل، وهي تأكيدٌ أخلاقيٌ على أننا مُهمُّون وأننا جزء من كيان أكبر من أنفسنا، وهي تطمئننا على أنَّنا لسنا وحدنا بوجود مجتمعٍ يرعانا، وهي تقدم لنا النصح والإرشاد والتوجيه وتنمِّي شخصياتنا، وهي شبكة أمان لنا، وهي تغرس القيم والمعايير الثقافية وفكرة المساءلة، وهي مكان اللقاءات الاجتماعية، والطقوس وطريقتنا في التعرُّف إلى أشخاص جدد، ووسيلتنا في قضاء الوقت.

في مجتمعنا، تربطنا علاقات شخصية بالأصدقاء والأقارب، وتربطنا أيضًا علاقات مؤسَّسية بالحكومات التي تُقِر القواعد. ولدى المجتمعات الصحيحة أيضًا طَبَقاتٌ أخرى من المجتمعات بيننا وبين الحكومة تؤمِّن حاجاتنا. وعندما نُشير إلى النسيج المجتمعي فإننا نعني عادةً المجموعات الوسيطة التي تربطنا سويًا وتُرسِّخ قيَمنا.

ومع ذلك، شهدت البنية التحتية الاجتماعية المهمة في المجتمعات المحلية تراجعًا حادًا في العقود القليلة الماضية. منذ سبعينات القرن الماضي، تراجعت عضوية بعض المجموعات المحلية بنسبةٍ تبلغ 25%، وشمل ذلك كافة قطاعات السكَّان.

هذا التراجُع يُثير شكوكًا أعمق حين نضعه إلى جانب استطلاعات تُظهر أنَّ نسبة كبيرة من الناس تفتقر إلى الشعور بالأمل في المستقبل. ربَّما تكون العديد من التحديات التي تواجهنا اجتماعيةً بقدرِ ما هي اقتصادية، إذ تتصلُ بغياب المجتمع وغياب الاتصال بشيء أكبر من أنفسنا. 

لكنَّ المجتمعات التي نشأت على الإنترنت تُمثِّل نقطةً مضيئةً هنا، ويُمكننا تعزيز المجتمعات المادية القائمة عن طريق مساعدة الناس في الاجتماع على الإنترنت، وكذلك في أرض الواقع. وبالطريقة نفسها التي يساهم بها التواصل مع الأصدقاء عبر الإنترنت في تعزيز العلاقات الحقيقية، سيساهم تطوير هذه البنية التحتية في تعزيز هذه المجتمعات، وكذلك في تمكين مجتمعات جديدة تمامًا من التشكُّل.

امرأة تُدعى "كريستينا" جرى تشخيص حالتها باضطرابٍ نادرٍ يسمَّى انحلال البشرة الفقاعي، والآن هي عضو في مجموعةٍ تربط 2400 شخصٍ من كافة أنحاء العالم حتَّى لا يعاني أيُّهم آلام المرض وحيدًا. رجلٌ يُدعى "مات" كان يُربي ولديه وحده، فبدأ مجموعة اسمها "الآباء السود" لمساعدة الرجال في مشاركة النصائح والتشجيع في رعايتهم لأسرهم. في مدينة سان دييجو الأمريكية، يجتمع أكثر من 4000 من أفراد أُسر العسكريين في مجموعةٍ تساعدهم على تكوين صداقات. هذه المجتمعات لا تكتفي بالتفاعل عبر الإنترنت، فهم يعقدون لقاءات وينظمون حفلات عشاء، ويدعمون بعضهم البعض في حياتهم اليومية.

اكتشفنا مؤخرًا أنَّ أكثر من 100 مليون شخص على فيسبوك هم أعضاء في ما نُطلِق عليه "مجموعات مؤثرة". تتميَّز هذه المجموعات بأن تكون بمجرد التسجيل فيها، أهم جزء في حياة أعضائها على الشبكات الاجتماعية، وجزءًا مهمًا في بِنية الدعم الفعلي الذي نُقدِّمه ونتلقَّاه. على سبيل المثال، يخبرنا العديد من الآباء الجدد أنَّ الانضمام إلى مجموعة لنصائح التربية بعد أن يُولَد طفلهم يطابق هذا الوصف تمامًا.

ثمَّة فرصةٌ حقيقيةٌ لربط عددٍ أكبر منَّا بمجموعات من شأنها أن تكون بنية تحتية اجتماعية مؤثرةً في حياتنا. تضم مجموعات فيسبوك أكثر من مليار مستخدم نشط، لكن الكثيرين لا يسعون بأنفسهم إلى الانضمام لإحدى المجموعات، بل يدعوهم إليها أصدقاؤهم أو يقترحها عليهم فيسبوك. إذا طوَّرنا اقتراحات فيسبوك وساعدنا مليار شخصٍ في التواصل مع مجتمعات مؤثرة في حياتهم، فإنَّ هذا من شأنه أن يُقوِّي نسيجنا المجتمعي.

ومن الآن، سنقيس تطوُّر خاصية مجموعات فيسبوك بعدد المجموعات المؤثرة، لا المجموعات بوجهٍ عام. سيتطلَّب هذا تمكين قادة المجتمعات من إنشاء المزيد من المجموعات المؤثرة لينضم إليها الناس، وليس فقط مساعدة المستخدمين في الانضمام إلى المجموعات المؤثرة القائمة بالفعل.

إنَّ أنجح المجتمعات الواقعية تقوم على وجود قادةٍ متفاعلين، وقد رأينا أن الأمر نفسه ينطبق في المجتمعات الإلكترونية أيضًا. في برلين بألمانيا، يُدير رجلٌ يُدعى "مونيس بخاري" مجموعةً يساعد عبرها اللاجئين في العثور على المنازل والوظائف. الأدوات التي يقدمها فيسبوك لمديري المجموعات الآن سهلةٌ بدرجة كبيرة، ونُخطط لأن نبني أدوات أكثير لتمكين قادة المجتمعات، مثل مونيس، من إدارة مجموعاتهم وزيادة أعداد المشتركين فيها كما يطمحون، بصورةٍ تُشبه ما فعلناه في صفحات فيسبوك.

تتكوَّن معظم المجتمعات من مجتمعاتٍ فرعيةٍ عديدةٍ، وهذا مجالٌ آخر واضح لتطوير أدوات جديدة. المدرسة، على سبيل المثال، ليست مجتمعًا واحدًا، بل تضم مجتمعاتٍ صغيرةٍ عديدةٍ في الفصول، والمراجع، ومجموعات الدراسة. وكما يتكوَّن النسيج الاجتماعي من مجتمعات عديدة، فكل مجتمع منها يتكوَّن من مجموعات تربط أعضاءها صلات شخصية مباشرة. نحن في فيسبوك نُخطط لتطوير خاصية المجموعات لتدعم المجتمعات الفرعية.

يمكننا النظر إلى أنشطة عديدة عبر عدسة بناء المجتمعات. فمشاهدة مقطع فيديو لفريقنا المُفضَّل أو برنامجنا المُفضَّل على التلفاز، أو قراءة صحيفتنا المُفضَّلة، أو ممارسة لعبتنا المُفضَّلة، كلها ليست مجرد تسلية أو معلومات، بل تجربة مشتركة وفرصة لتقريب الناس الذين لديهم الاهتمامات نفسها. يمكننا تصميم هذه التجارب لتقوية الروابط الاجتماعية، وليس فقط للاستهلاك السلبي.

إنَّ هدفنا هو تقوية المجتمعات القائمة عن طريق مساعدة الناس في الاجتماع على الإنترنت وعلى أرض الواقع أيضًا، بالإضافة إلى تمكين الناس من إقامة مجتمعات جديدة تمامًا، تتخطَّى الموقع الجغرافي. وإذ نقوم بذلك، متجاوزين التواصل عبر الإنترنت، نُرسِّخ مجتمعاتنا الفيزيائية بجمع الناس وجهًا لوجه لدعم بعضهم البعض.

تحتاج المجتمعات الصحيحة إلى هذه التجمُّعات لتلبية حاجاتنا الشخصية، والعاطفية، والروحية. في عالمٍ تتداعى بنيته التحتية الاجتماعية، لدينا فرصة حقيقية للمساعدة في تقوية هذه التجمُّعات، وتقوية نسيجنا الاجتماعي.

اقرأ أيضا: 

كيف يؤثر فايسبوك على منطقة الشعور بالرضى لدى المراهقين مما يجعلهم مدمنين ؟!


مجتمع آمن

وكما نبني مجتمعًا عالميًّا، هذه هي لحظة الحقيقة. لا يعتمد نجاحنا فقط على ما إذا كُنَّا نستطيع التقاط مقاطع فيديو ومشاركتها مع الأصدقاء. فالنجاح الحقيقي هو في قدرتنا على بناء مجتمع يساعد في الحفاظ على أمننا، يدفع الضرر، ويساعد أثناء الأزمات، ويعيد البناء بعد ذلك.

تتسم التهديدات التي تواجهنا اليوم بالعالمية على نحوٍ متزايد، ولكن البنية التحتية التي تحمينا ليست كذلك. مشكلات مثل الإرهاب، والكوارث الطبيعية، والأمراض، وأزمات اللاجئين، وتغيُّر المناخ تحتاج استجابات مُنسَّقة من وجهة نظرٍ مُطَّلعة على العالم أجمع. ولا تستطيع أيَّة دولةٍ أن تحل هذه المشكلات بمفردها. فيروس في بلدٍ واحدٍ يُمكن أن ينتشر بسرعة في بلدانٍ أخرى. صراعٌ في بلدٍ واحدٍ يُمكن أن يخلق أزمة لاجئين عابرة للقارات. تلوثٌ في مكانٍ واحدٍ يُمكن أن يؤثر في البيئة في جميع أنحاء العالم. النظم الحالية التي أقامتها البشرية غير كافية لمعالجة هذه القضايا.

العديد من الأشخاص المخلصون ينضمُّون إلى منظمات عالمية غير ربحية بغرض المساعدة، ولكن السوق غالبًا ما تفشل في تمويل بناء البنية التحتية اللازمة لذلك، أو تحفيزها. كنت أتوقَّع منذ فترة طويلة أن عددًا أكبر من المنظمات والشركات الناشئة ستبني أدوات للصحة والسلامة باستخدام التكنولوجيا، ولقد فوجئت بأنَّ الكثير ممَّا كان يلزمنا بناؤه لم يتجاوز حتَّى طور المحاولة. ثمَّة فرصة حقيقية لبناء بنية تحتية عالمية للسلامة، ولقد وجَّهت فيسبوك لاستثمار المزيد والمزيد من الموارد لخدمة هذه الحاجة.

يحتلُّ فيسبوك مكانةً فريدةً تُمكِّنه من المساعدة في معالجة هذه المشكلات، إذ تضم شبكتنا قدرًا هائلًا من التواصل بين الناس، ولدينا قدرةٌ كبيرةٌ على الوصول إلى الناس في كافة أنحاء العالم بسرعة أثناء الطوارئ، ولدى مجتمعنا قدرٌ هائلٌ من الاستعداد لفعل الخير دون أيَّة أغراض.

لدفع الضرر، يمكننا بناء بنية تحتية اجتماعية لمساعدة مجتمعنا في التقاط المشكلات قبل حدوثها. حين يُفكِّر شخصٌ ما في الانتحار، أو إلحاق الضرر بنفسه، طوَّرنا أدوات قد تُمكِّن أصدقاءه ومجتمعه من إنقاذ حياته. حين يُفقَد طفلٌ، طوَّرنا أدوات لإطلاق نداءات استغاثة ساهمت في إنقاذ أطفال كثر دون أن يطالهم أذى. وقد أقمنا البنية التحتية اللازمة للعمل مع منظمات السلامة العامة في كافة أنحاء العالم حين تنمى هذه الأمور إلى علمنا. وفي المستقبل، توجد الكثير من القضايا التي ينبغي أن يكون مجتمعنا قادرًا فيها على تعرُّف الأخطار المرتبطة بالصحة العقلية، والممرض، والجريمة.

وللمساعدة في وقت الكوارث، بنينا أدوات مثل "التحقق من السلامة" حتَّى يمكننا طمأنة أصدقاءنا أننا بخير، والاطمئنان على أصدقائنا الذين يُحتَمَل أنَّهم قد تعرَّضوا إلى هجومٍ أو كارثة طبيعية. تمَّ تفعيل خاصية التحقق من السلامة 500 مرة في عامين، وقد طمأنت الناس على أصدقائهم وأقاربهم أكثر من مليار مرة. في أوقات الكوارث، تتصل بنا الحكومات عادةً للتأكُّد من أن الخاصية سيتم تفعيلها في بلادهم. لكن أمامنا الكثير لنبنيه. أضفنا مؤخرًا أدوات للعثور على ملاجئ في أوقات الطوارئ أو توفيرها، وكذلك الطعام والاحتياجات الأخرى. وبمرور الوقت، ينبغي أن يكون مجتمعنا قادرًا على تقديم المساعدة في أوقات الحروب، وفي القضايا الجارية غير المُحددة بحادثة واحدة.

ولإعادة البناء بعد الكوارث، بنينا أكبر بنية تحتية اجتماعية في العالم للقيام بأفعالٍ جمعية. قبل عدة أعوام، بعد زلزال في نيبال، جمع مجتمع فيسبوك 15 مليون دولار أمريكي لمساعدة الناس في التعافي وإعادة البناء، وقد كان هذا أكبر عمل إغاثي جمعي في التاريخ. وقد شهدنا جهدًا مماثلاً بعد حادثة إطلاق النار في الملهى الليلي في أورلاندو، حين نظَّم الناس من كافة أنحاء الولايات المتحدة التبرُّع بالدم لمساعدة ضحايا لم يقابلوهم قط. وبالمثل، بنينا أدوات تُمكِّن الملايين من إعلان التزامهم بالتبرُّع بالأعضاء لإنقاذ أناس آخرين بعد تعرُّضهم لحوادث.

وبالنظر إلى المستقبل، فإنَّ واحدة من أعظم الفُرَص في الحفاظ على أمن الناس هي بناء ذكاء اصطناعي لفهم ما يحدث في مجتمعنا بطريقةٍ أسرع وأدق.

تنقل خدماتنا مليارات من المنشورات، والتعليقات، والرسائل كل يو، وبما أنَّ مراجعتها جميعًا أمرٌ مستحيل، فإننا نراجع المحتوى بمجرَّد أن يُبلِغ مستخدمونا عنه. لقد حدثت أمور فظيعة، مثل عمليات الانتحار التي أُذيع بعضها مباشرةً عبر فيسبوك، كان يُمكن منعها إذا أدرك أحدٌ ما كان يحدث وأبلغ عنها في وقتٍ أسرع. وتحدث أعمال التحرُّش والتنمُّر كل يوم، ويجب أن يتم تنبيه فريقنا إليها حتَّى نتمكَّن من المساعدة. هذه القصص تثبت أنَّ علينا الاجتهاد في العثور على طريقةٍ لنفعل المزيد.

يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يُقدِّم منهجًا أفضل. نُجري أبحاثًا على أنظمة يُمكنها المرور على الصور ومقاطع الفيديو لتنبيه فريقنا إلى مراجعتها. ما يزال هذا في مرحلة التطوير المبدئي، لكننا بدأنا في استخدامه للمرور على بعض المحتوى، ويساهم النظام الآن بالفعل في تقديم حوالي ثلث التقارير التي ترد إلى فريقنا المنوط بمراجعة المحتوى.

سيستغرق تطوير هذه الأنظمة أعوامًا عديدةً. الآن، نبدأ استكشاف طرق استخدام الذكاء الاصطناعي للتفرقة بين أخبار العمليات الإرهابية، وبين الدعاية الإرهابية نفسها حتَّى يمكننا إزالة أي شخصٍ يستخدم خدماتنا بغرض التجنيد لمنظمة إرهابية. إنَّ هذا صعبٌ تقنيًّا؛ لأنَّه يتطلَّب بناء ذكاء اصطناعي يإمكانه قراءة الأخبار وفهمها، لكننا نحتاج إلى العمل على ذلك لمحاربة الإرهاب في كافة أنحاء العالم.

وبينما نناقش كيفية الحفاظ على أمن مجتمعنا، من المهم التأكيد أنَّ حماية الأمن والحرية الفردية هي جزء من حماية الناس. نحن داعمون بشدة للتشفير، وقد أدخلناه في أكبر منصتي تراسُل في العالم: واتساب وماسنجر. حماية مجتمعنا لا تستلزم التضحية بالخصوصية. ومنذ إدخال التشفير التام بين الأطراف (end-to-end encryption) إلى واتساب، قلَّلنا السبام والمحتوى الضار بنسبة تجاوزت 75%.

والطريق إلى الأمام يمر عبر الإقرار بأنَّ المجتمع العالمي يحتاج إلى بنية تحتية اجتماعية لحماية أمننا من الأخطار في كافة أنحاء العالم، وبأنَّ مجتمعنا يحظى بمكانةٍ فريدةٍ تُمكِّنه من منع الكوارث، والمساعدة في أوقات الأزمات، وإعادة البناء. إنَّ الحفاظ على أمن المجتمع العالمي هو جزءٌ مهمٌ من مهمَّتنا، وهو جزءٌ مهمٌ في قياسنا لتطوُّرنا في المستقبل.

مجتمع مُطَّلع

إنَّ الغرض من إقامة أي مجتمع هو جمع الناس معًا للقيام بالأشياء التي لا يُمكن لكلٍّ منهم القيام بها منفردًا. ولنقوم بذلك، نحن بحاجة الى وسائل لتبادل الأفكار الجديدة، وتبادل الفهم المشترك بما يكفي للعمل سويًا.

لطالما كان إعطاء الجميع منبرًا لإعلان صوته على مرِّ التاريخ قوةً إيجابية للغاية في دفع الخطاب العام لأنه يزيد من تنوع الأفكار المطروحة. ولكن أحداث العام الماضي أظهرت أيضًا أنَّ (تعدُّد الأصوات) قد يتسبَّب في تفتيت إدراكنا المشترك للحقائق.  إنَّ من مسؤوليتنا تعظيم الآثار الجيدة للتعدُّدية وتخفيف السيئ منها؛ حتَّى نتمكَّن من مواصلة زيادة التنوُّع مع تعزيز فهمنا المشترك، بحيث يمكن لمجتمعنا خلق أعظم تأثير إيجابي في العالم.

القضيتان الأكثر مناقشةً في العام الماضي كانتا تنحصران في تنوُّع وجهات النظر التي نراها ودقة المعلومات. أنا قلق بشأن هاتين القضيتين، وقد درسناهما بشكلٍ مُكثَّف، ولكني قلقٌ أيضًا من أنَّ ثمَّة آثار أقوى منهما يجب علينا تخفيفها فيما يتصل بالإثارية في الأخبار والاستقطاب اللذين يؤديان إلى فقدان التفاهم المشترك.

تُقدِّم الشبكات الاجتماعية بالفعل وجهات نظر أكثر تنوُّعًا ممَّا قدَّمته وسائل الإعلام التقليدية في تاريخها. وحتَّى إن كان أغلب أصدقائنا ممَّن يشبهوننا، فإننا جميعًا بشرٌ لنا اهتمامات، وقناعات، وخلفيات مختلفة؛ وهذا ما يجعلنا نتعرَّض لرؤى مختلفة. وبالمقارنة مع تلقِّي الأخبار من شبكتي أخبار أو ثلاث شبكات محددة، أو قراءة الصحف ذاتها بآرائها التحريرية المتَّسقة، فإنَّ شبكاتنا على فيسبوك تُرينا محتوى أكثر تنوُّعًا.

لكن هدفنا يجب أن يكون مساعدة الناس في رؤية صورة أكثر اكتمالًا، وليس فقط رؤى مخالفة لرؤاهم. يجب أن نكون حذرين في مسعانا ذاك. تقول الأبحاث إنَّ بعضًا من أكثر الأفكار بساطةً، مثل أن تعرض على الناس مقالًا مخالفًا لوجهة نظرهم، يتسبب في الحقيقة في تعميق الاستقطاب بتأطير وجهات النظر المقابلة باعتبارها دخيلة أو غريبة. أمَّا النهج الأكثر نجاعةً فهو أن تُري الناس وجهات نظر متعددة، وتجعلهم يرون أين تقع أفكارهم بين طيف الأفكار حتَّى يتوصَّلوا إلى ما يعتقدون بصحَّته. بمرور الوقت، سيتعرَّف مجتمعنا على المصادر التي تُقدِّم وجهات نظر متنوعة وسيحظى ذلك المحتوى بالتبعية بظهورٍ أكبر بصورة طبيعية.

إنَّ دقة المعلومات لهي أمرٌ مهمٌ للغاية. نعلمُ أنَّ هناك معلومات خاطئة بل ومحتوى صريح الخداع على فيسبوك، ونحن نتعامل مع ذلك بمنتهى الجدية. لقد أحرزنا تقدمًا في مواجهة المحتوى المخادع كما نواجه السبام، لكن هناك المزيد ممَّا يمكن فعله. نحن نتقدَّم في هذا بحذر لأنَّ ثمَّة خيط رفيع بين الخدعة، والسخرية، والرأي. في مجتمعٍ حُر، من المهم أن يكون للناس القدرة على مشاركة آرائهم، حتَّى وإن اعتقد الآخرون بخطئها. سيركز نهجنا بدرجةٍ أقل على منع المعلومات الخاطئة، وبدرجةٍ أكبر على إظهار وجهات النظر والمعلومات الأخرى، بما في ذلك النقاش بشأن دقة محتوى ما.

وبينما يمكننا فعل المزيد بشأن تنوُّع المعلومات والمعلومات الخاطئة، ينصب تركيزي على تأثير الإثارية والاستقطاب، وفكرة بناء تفاهم مشترك.

الشبكات الاجتماعية وسيلة تواصل مختصرة، يتعاظم فيها حجم الرسائل الرنَّانة حين تتردد مرات عديدة. ولهذا تفوز البساطة ويخسر التعقيد. الجانب الجيد من هذا هو أنَّه يساهم في تركيز الرسائل، وتعريض الناس إلى أفكار مختلفة، أمَّا الجانب السيئ منه فهو الإفراط في تبسيط الموضوعات المهمة، ودفعنا إلى الأطراف من كل قضية.

نلاحظ الاستقطاب في كل أنواع الخطاب، وليس الشبكات الاجتماعية فحسب؛ إذ يحدث في كافة المجموعات والمجتمعات، بما في ذلك الشركات، وفصول الدراسة، والمحاكم، وهو عادةً ما يكون منقطع الصلة بالسياسة. في مجتمع التكنولوجيا، على سبيل المثال، جرى الإفراط في تبسيط النقاش بشأن الذكاء الاصطناعي واختصاره في إشاعة الذُعر الوجودي. الضرر هنا هو أنَّ الإثارية تدفع الناس بعيدًا عن الآراء المتزنة والمُعقَّدة إلى الأطراف الناجمة من الاستقطاب.

إذا استمر هذا الاتجاه وفقدنا التفاهم المشترك، فسيؤكد الناس مجموعات مختلفة من الحقائق التي تناسب آرائهم المُستَقطبةـ حتًّى لو أزلنا كافة المعلومات الخاطئة. إنَّ هذا هو ما يجعلني قلقًا بشدة من الإثارية في الإعلام.

لحسن الحظ، ثمَّة خطوات واضحة يمكننا القيام بها لتصحيح مسار هذه التأثيرات. مثلًا، لاحظنا أنَّ الناس يشاركون الأخبار وفقًا لعناوينها الإثارية دون أن يقرؤوها قط. في العموم، إذا خفت حماسك لمشاركة موضوعٍ ما بعد قراءته كاملًا فهذه علامةٌ على أنَّ العنوان كان إثاريًّا. وإذا جعلتك قراءة الموضوع أكثر رغبةً في مشاركته فهذه عادةً علامةٌ على أنَّ المحتوى عميق. بدأنا مؤخرًا في الحد من الإثارية على صفحة "آخر الأخبار" اعتمادًا على هذه الملاحظة في بعض أنواع المحتوى، وفي المستقبل ستساعدنا إشارات كهذه في تحديد الناشرين الإثاريين أيضًا. لقد قمنا بخطوات كثيرة مماثلة، وسنقوم بالمزيد منها للحد من الإثارية والمساهمة في بناء مجتمع مُطَّلع.

تقترح الأبحاث أنَّ أفضل الحلول لتطوير الخطاب قد تنبع من معرفتنا ببعضنا كأشخاصٍ لا كآراء فحسب، وهو شيءٌ بإمكان فيسبوك أن يقوم به بجدارة. إذا تواصلنا مع الناس بشأن اهتماماتنا المشتركة –الفرق الرياضية، وبرامج التلفاز، والاهتمامات– فسيصبح الحوار بشأن ما نحن مختلفون عليه أسهل. وعندما نقوم بذلك بصورة جيدة، فإننا نعطي مليارات البشر القدرة على مشاركة رؤى جديدة مع الحد من التأثيرات غير المرغوب فيها التي تظهر في كل وسيلة تواصل جديدة.

كما أن وجود صناعة أخبار قوية لهو عاملٌ حاسمٌ في بناء مجتمع مُطَّلع. أن تعطي الناس منبرًا لإعلان آرائهم ليس كافيًا دون أن يكون ثمَّة أشخاص متخصصون في كشف المعلومات الجديدة وتحليلها. هناك المزيد ممَّا يمكن فعله لدعم صناعة الأخبار وضمان استمرارية هذه الوظيفة الاجتماعية الحيوية، بدايةً من دعم الأخبار المحلية، مرورًا بتطوير صِيَغ جديدة تناسب الأجهزة المحمولة، وانتهاءً بتحسين نماذج الأعمال التي تعتمد عليها المؤسسات الإخبارية.

وتوصيل الجميع بالإنترنت هو أيضًا أمرٌ ضروريٌ لبناء مجتمع مُطَّلع. بالنسبة لأغلبية البشر في العالم، السؤال ليس بشأن جودة الحوار العام بل السؤال هو هل يمكنهم الوصول إلى المعلومات الأساسية التي يحتاجونها، والتي عادةً ما تكون مرتبطة بالصحة، والتعليم، والوظائف.

وأخيرًا، أود التأكيد أنَّ أغلبية المحادثات على فيسبوك ذات طبيعة اجتماعية لا أيديولوجية. المستخدمون أصدقاء يتشاركون النكات، وأقارب يتواصلون مع بعضهم البعض عبر مدنٍ مختلفة؛ إنهم أناسٌ ينضمون إلى مجموعات جديدة، سواء أكانوا آباءً جددًا يربُّون أطفالهم، أو مرضى تمَّ تشخيص حالاتهم يعانون آلام المرض سويًا. وأحيانًا يجتمعون بغرض التسلية، فيتحلَّقون حول الدين أو الرياضة. وأحيانًا أخرى يجتمعون بغرض البقاء، مثل اللاجئين الذين يتواصلون ليعثروا على مأوى لهم.

وأيًّا كان موقفك عندما تدخل مجتمعنا، فالتزامنا هو الاستمرار في تحسين أدواتنا لنُعطيك القدرة على مشاركة خبراتك مع الآخرين. وعن طريق زيادة تنوُّع أفكارنا وتعزيز التفاهم المشترك، يمكن لمجتمعنا أن يحظى بأكبر أثر إيجابي في العالم.

مجتمع يعزز المشاركة المدنية

سيعكس مجتمعنا قيَمنا الجمعية فقط إذا انخرطنا في الأعمال المدنية، واشتركنا في الحكم الذاتي. ثمَّة نوعان من البنى التحتية الاجتماعية التي يجب بناؤها:

الأول يشجع على المشاركة في العمليات السياسية القائمة: التصويت، والانخراط في القضايا العامة ومع مُمثلي الشعب، والجهر بالآراء، والتنظيم أحيانًا. فزيادة المشاركة بصورة هائلة هي السبيل الوحيد لضمان أنَّ العمليات السياسية تعكس قِيَمنا.

والثاني هو تأسيس عملية جديدة للمواطنين من كافة أنحاء العالم للمشاركة في صنع القرار بطريقةٍ جمعيةٍ. إنَّ عالمنا متصلٌ أكثر من أي وقت مضى، وتواجهنا مشكلات عابرة للحدود بين الدول. وكون فيسبوك أكبر مجتمع عالمي، فيمكنه استكشاف نماذج على إمكانية أن تعمل حوكمة المجتمعات على نطاقٍ واسعٍ.

نقطة الانطلاق لمشاركة المدنية هي العملية السياسية القائمة لدعم التصويت في العالم. من المُلفت للنظر أنَّ حوالي نصف الأمريكيين المؤهَّلين للتصويت هم من يشاركون في الانتخابات. هذه نسبة متدنية مقارنةً بالدول الأخرى، ولكن الديمقراطية تنحسر في العديد من البلدان، وثمَّة فرصةٌ كبيرةٌ في جميع أنحاء العالم لتشجيع المشاركة المدنية.

في انتخابات رئاسة الولايات المتحدة، العام الماضي، ساعدنا أكثر من مليوني شخص على تسجيل أسمائهم في القوائم الانتخابية، ومن ثمَّ الإدلاء بأصواتهم. كان هذا من أكبر جهود زيادة المشاركة في الانتخابات في التاريخ، وأكبر من جهود الحزبين الكبيرين معًا. وبالتزامن مع كل انتخابات تحدث في العالم، نستمر في تحسين أدواتنا لمساعدة المزيد من الناس على التسجيل والإدلاء بأصواتهم، ونأمل بأن نُمكِّن مئات الملايين من الناس من المشاركة في الانتخابات ممَّن لا يشاركون اليوم، في كل بلدٍ ديمقراطيٍ في العالم.

والمشاركة المدنية على المستوى المحلي هي فرصةٌ لا تقل حجمًا عنها على المستوى الوطني. لا يعرف معظمنا اليوم من هم ممثلونا في المجالس النيابية المحلية، لكن العديد من السياسات التي تؤثر في حيواتنا هي سياسات محلية، وهذا هو مكمن تأثير مشاركتنا. تقول الأبحاث إنَّ قراءة الأخبار المحلية لها علاقة متبادلة بالمشاركة المدنية. ويُظهِر هذا كيف تتصل هذه المتغيرات الثلاثة ببعضها: بناء مجتمع مُطَّلع، والمجتمعات المحلية الداعمة، وتعزيز المشاركة المدنية في المجتمع.

وفيما هو أكبر من التصويت، توجد أكبر الفُرص في مساعدة الناس على البقاء متصلين بالقضايا التي تُهمُّهم كل يوم، وليس فقط كل بضع سنوات عند صناديق الاقتراع. يمكننا أن نُساعد في إقامة حوار مباشر وتعزيز المساءلة بين الناس وقادتنا المنتخبين. في الهند، طلب رئيس الوزراء مودي من وزرائه مشاركة اللقاءات والمعلومات الخاصة بهم على فيسبوك حتَّى يتمكَّنوا من سماع ردود فعل مباشرة من المواطنين. وفي كينيا، يجتمع سُكَّان قرى بأكملها في مجموعات على "واتساب"، ومعهم ممثلوهم. وفي الحملات الانتخابية الأخيرة في جميع أنحاء العالم، من الهند وإندونيسيا وعبر أوروبا إلى الولايات المتحدة، رأينا أنَّ المرشَّح الذي يملك متابعين أكثر عددًا وتفاعلًا على فيسبوك من منافسيه هو من يفوز عادة. وكما أصبح التلفاز أهم وسيلة للاتصال المدني في ستينات القرن الماضي، أصبحت الشبكات الاجتماعية هي الوسيلة الأهم في القرن الـ21.

يخلق هذا فرصةً لنا لنتواصل مع ممثلينا على كافة المستويات. في الأشهر القليلة الماضية، ساعدنا مجتمعنا في مضاعفة الروابط بين الناس وممثليهم عن طريق تسهيل التواصل مع كافة ممثلينا بضغطة زر واحدة. حين نتواصل، يمكننا التفاعل بصورةٍ مباشرةٍ بالتعليقات والرسائل. مثلًا، من الشائع في أيسلندا أن يقوم الناس بالإشارة "tag" للسياسيين في نقاشات المجموعات حتَّى ينقلوا مشاكل المجتمع إلى البرلمان.

أحيانًا يجب على الناس أن يجهروا بآرائهم وما يعتقدون أنَّه الحق. من ميدان التحرير إلى حركة حزب الشاي، ينظم مجتمعنا هذه التظاهرات باستخدام بنيتنا التحتية للأحداث والمجموعات. وبصفةٍ يوميةٍ، يستخدم الناس أصواتهم لمشاركة وجهات نظرهم بطُرُقٍ يُمكن أن تنتشر في جميع أنحاء العالم، وتنمو لتتحوَّل إلى حركات. المسيرة النسائية مثالٌ على ذلك، إذ كتبت جدَّة لديها اتصالٌ بالإنترنت منشورًا جعل أصدقاءها ينشؤون حدثًا على فيسبوك تحوَّل في نهاية المطاف إلى مسيرة مكوَّنة من ملايين في مدن بمختلف أنحاء العالم.

إنَّ إعطاء الناس منبرًا للتعبير عن آرائهم هو مبدأ راسخ في مجتمعنا منذ نشأته. وبينما ننظر إلى المستقبل وبناء البنية التحتية الاجتماعية الداعمة لمجتمع عالمي، سنعمل على بناء أدوات جديدة تُشجع المشاركة المدنية المدروسة. وسيصبح تمكين الناس من استخدام منابرهم أكثر أهمية من أي وقتٍ مضى.

مجتمع شامل

يتطلَّب بناء مجتمع عالمي شامل تأسيس عملية جديدة تُمكِّن المواطنين من كافة أنحاء العالم من المشاركة في الحوكمة المجتمعية. آمل بأن نتمكَّن من استكشاف نماذج على إمكانية أن تعمل حوكمة المجتمعات على نطاقٍ واسعٍ.

فيسبوك ليس تكنولوجيا أو وسيلة إعلام فحسب، بل مجتمع من البشر. يعني هذا أنَّنا بحاجة إلى قواعد مجتمعية تعكس قِيَمنا الجمعية التي تُحدد المقبول والمحظور.

في العام الماضي، فاق مدى تعقيد القضايا التي واجهتنا ما لدينا من عمليات لتنظيم مجتمع فيسبوك. شهدنا هذا في أخطاء إزالة مقاطع فيديو ذات أهمية خبرية مُتعلِّقة بحركة حياة السود مهمة وعنف الشرطة، وإزالة صورة رُعب الحرب التاريخية الشهيرة التي التُقِطت في فيتنام. لقد شهدنا هذا في إساءة تصنيف خطاب الكراهية في المناظرات السياسية في كلا الاتجاهين الجمهوري والديمقراطي، وإيقاف حسابات وإزالة محتوى كان يجب أن يبقى، وإبقاء محتوى يحضُّ على الكراهية، وينبغي أن يُزال. وقد زاد عدد تلك الحالات وكذلك أهميتها الثقافية في الآونة الأخيرة.

لقد كان هذا مؤلمًا لي لأنني عادةً ما أتفق مع الذين يوجِّهون انتقادات لنا في أنَّنا نرتكب أخطاءً. السبب في هذه الأخطاء لم يكُن في أيَّة مرةٍ تقريبًا أنَّ لدينا مواقف أيديولوجية تتناقض مع مجتمعنا، بل السبب هو صعوبات في الإدارة التشغيلية لتوسُّع أعمالنا. إنَّ الفلسفة التي تحكم قِيَم مجتمع فيسبوك هي الاجتهاد في عكس المعايير الثقافية التي يتبنَّاها مجتمعنا. وحين يساورنا الشك، نُفضِّل دائمًا أن نُعطي القوة للناس ليشاركوا أكثر.

هناك عدة أسباب أدت إلى الزيادة التي شهدناها في الحالات التي واجهتنا: المعايير الثقافية تتغير، الثقافات مختلفة بين أنحاء العالم، والناس لديهم حساسة تجاه الأشياء المختلفة.

أولًا، يتطوَّر مجتمعنا من أصله الذي كان يعتمد على التواصل مع الأصدقاء والأقارب إلى ما أصبح الآن مصدرًا للأخبار والحوار العام أيضًا. وينبغي لقواعد مجتمع فيسبوك أن تواكب هذا التحوُّل الثقافي لتسمح بالمزيد من المحتوى الخبري والتاريخي، حتَّى وإن كان بعضه بغيضًا. مثلًا، مقطع فيديو بالغ العنف لشخصٍ يموت قد يتم تصنيفه على أنَّه محتوى مُزعج ويتم حذفه. لكننا الآن إذ نستخدم خدمة البث المباشر لالتقاط الأخبار وننشر مقاطع الفيديو للاعتراض على العنف، فإن معاييرنا يجب أن تتأقلم على ذلك. وبالمثل، أيَّة صورة تعرض عُريَ أطفال سيجري حذفها، لكننا طوَّعنا معاييرنا للسماح بنشر المحتوى المرئي المهم تاريخيًّا، مثل صورة الفتاة العارية في حرب فيتنام. تحتاج منَّا تحديث معاييرنا لمواكبة تطُّور توقعات مجتمعنا.

وثانيًا، يمتد مجتمعنا عبر دول وثقافات عديدة، والمعايير تختلف في كل منطقةٍ عن الأخرى. فليس من المفاجئ أنَّ الأوروبيين يجدون مشكلة في حذف المحتوى الذي يحتوي على عري أكثر من غيرهم؛ إذ إنَّ بعض الثقافات الأوروبية أكثر تقبُّلًا للعري من العديد من المجتمعات في الشرق الأوسط وآسيا على سبيل المثال. في مجتمعٍ يضم حوالي ملياري إنسان، يكون من الصعوبة بمكان وضع مجموعة من القواعد تحكم الجميع؛ لذا يجب علينا أن نُطوِّر نظامنا إلى نوعٍ من الحوكمة المحلية.

وثالثًا، فإنَّ حتى من ينتمون إلى ثقافة واحدة يحملون آراءً مختلفة عمَّا يريدون رؤيته وما يرفضونه. قد أتقبَّل الخطاب المشحون سياسيًّا لكني لا أريد مشاهدة أي محتوى ذي إيحاءات جنسية، وقد يتقبَّل آخرٌ العكس. وبالمثل، قد تريد نشر فيديو عنيف في تظاهرة دون أن تقلق بشأن إزعاج أصدقائك الذين لا يرغبون في مشاهدته. وكما أنَّ مشاهدة محتوى مرفوض بالنسبة لنا يُمثِّل تجربة سيئة على فيسبوك، فإنَّها لتجربةٌ فظيعةٌ حين يخبرنا أحدٌ أننا لا يمكننا مشاركة شيء نعتقد بأنَّه مهم. يقول هذا إنَّنا بحاجةٍ إلى التطوُّر باتجاه نظام يضمن التحكُّم الذاتي في تجربتنا على فيسبوك.

ورابعًا، يعمل فيسبوك على نطاقٍ واسعٍ يجعل أهون الأخطاء تؤدي إلى عددٍ كبيرٍ من التجارب السيئة. نراجع أكثر من 100 مليون قطعةً من المحتوى كل شهر، وحتَّى إذا بلغت نسبة دقة مراجعينا 99%، فذلك يعني أن ملايين من الأخطاء ستتراكم. أي نظام سيكون دائمًا مُعرَّضًا للخطأ، لكنِّي مؤمنٌ بأنَّ باستطاعتنا أن نؤدي أفضل مما نحن عليه اليوم.

قضيت الكثير من الوقت في العام الماضي أفكِّر في كيفية تحسين تنظيم مجتمعنا. وبجلوسنا هنا في كاليفورنيا، لسنا في مكان يؤهلنا لتحديد المعايير الثقافية في كافة أنحاء العالم. بدلًا من ذلك، نحتاج إلى نظامٍ يسمح لنا جميعًا بالمساهمة في وضع القواعد. ومع أنَّ هذا النظام لم ينتهي تطويره بالكامل بعد، فإنني أود أن أشارككم فكرة عمله.

القواعد الحاكمة هي أنَّ معايير مجتمع فيسبوك ينبغي أن تعكس المعايير الثقافية لمجتمعنا، وينبغي أن يرى كل شخصٍ أقل ما يُمكن من المحتوى المرفوض لديه، وينبغي أن يكون كل شخصٍ قادرًا على مشاركة ما يريد دون أن يمنعه أحد، إلَّا بأقل قدرٍ ممكن. النهج الذي نريده هو دمج بناء عملية ديمقراطية واسعة النطاق لوضع المعايير بالذكاء الاصطناعي الذي يُمكِّن من تطبيقها.

الفكرة هنا هي أن نُعطي لكافة أعضاء المجتمع خيارات لوضع سياسة المحتوى التي يرتضونها لأنفسهم. ما هو خطُّك الأحمر بشأن المحتوى العاري؟ وبشأن العنف؟ وبشأن المحتوى الصادم؟ وبشأن الألفاظ النابية؟ ما تُقرِّره سيكون هو إعداداتك الشخصية. سنسألك هذه الأسئلة بصفةٍ دوريةٍ حتَّى نعزز المشاركة وحتَّى لا تبحث في أرجاء فيسبوك لتصل إلى هذه الإعدادات. وللذين لن يضعوا خطوطهم الحمراء بأنفسهم، ستكون إعداداتهم هي الإعدادات التي اختارتها أغلبية الناس في منطقتهم، إنَّه أمرٌ أشبه بالاستفتاء. وبالتأكيد سيكون لديك خيار تحديث إعداداتك الشخصية في أي وقت.

وبمساحة أكبر للتحكُّم، سيُحذَف المحتوى فقط إذا كان مرفوضًا ممَّا تسمح به أكثر الخيارات تساهلًا. وفي تلك المساحة، لا ينبغي ببساطة لأي أحد أن يرى محتوى تُشير إعداداته الشخصية إلى أنَّه لا يريد رؤيته، أو أن يظهر له تنبيهٌ أولًا على أقل تقدير. ومع أنَّنا ما نزال نحظر بعض المحتوى استنادًا إلى المعايير والقوانين المحلية، أملنا هو أن نظام التحكُّم الشخصي هذا والاستفتاءات الديمقراطية ستحد من القيود التي نفرضها على ما يُمكننا مشاركته.

والجدير بالذكر أنَّ تطوُّرات كبرى في الذكاء الاصطناعي ستكون ضرورية لفهم النصوص، والصور، ومقاطع الفيديو، وإصدار حكمٍ على احتوائها على خطاب كراهية، أو عنف صادم، أو محتوى جنسي صريح، وأكثر من ذلك. وبوتيرتنا الحالية في الأبحاث، نأمل بأن نبدأ بالتعامل مع بعضٍ من هذه الحالات في عامنا هذا، لكنَّنا لن نتمكَّن من التعامل مع حالات أخرى لعدة سنوات قادمة.

وبشكل عام، فمن المهم أن يواكب تنظيم مجتمعنا تعقيده ومطالب أعضائه. نحن ملتزمون بتطوير أدائنا، حتَّى وإن تطلَّب ذلك بناء نظام اقتراع عالمي يعطي المستخدمين صوتًا وتحكُّمًا أكبر. أملنا هو أن هذا النموذج سيقدِّم مثلًا على كيف يمكن لعملية صنع القرار الجمعية أن تنجح في جوانب أخرى من المجتمع العالمي.

إنَّنا في وقتٍ مهمٍ في تطوير مجتمعنا العالمي، وإنَّنا في وقتٍ يُفكِّر الكثيرون خلاله في طرقٍ تُمكِّننا من أن يكون لنا أعظم تأثير إيجابي.

لقد مرَّ في تاريخنا أوقاتٌ عديدة مثل هذه. وإذ قطعنا أشواطًا كبيرةً بتحوُّلنا من القبائل إلى المدن، ثمَّ إلى الأمم، كان لزامًا علينا دائمًا أن نبني بنى تحتية اجتماعية مثل المجتمعات، والإعلام، والحكومات حتَّى نزدهر ونصل إلى المستوى التالي. في كل شوطٍ قطعناه تعلَّمنا كيف نجتمع لنحل التحديات التي تواجهنا، ونحقق أمورًا أكبر مما يمكن لكل منَّا تحقيقه بمفرده. لقد فعلنا هذا سابقًا وسنفعله مرةً أخرى.

يُذكِّرني ذلك بما قاله الرئيس الأمريكي الأسبق إبراهام لينكولن أثناء الحرب الأهلية الأمريكية: بمقدورنا النجاح فقط كمجموعة. السؤال ليس هل يمكن لأي منَّا أن يتخيَّل شيئًا أفضل؟ بل هل يمكن أن نفعل جميعًا شيئًا أفضل؟. إنَّ مبادئ الماضي الهادئ لا تلائم الحاضر العاصف. ثمَّة صعوبات جمَّة تواجهنا في هذه اللحظة، ويجب أن نتسامى بقدر جلالها. وبما أنَّ حالتنا جديدة، يجب أن نُفكِّر بعقلية جديدة، وأن نفعل أشياءً جديدة.

الكثير منَّا يدعمون جمع الناس سويًا وتشبيك العالم ببعضه. آمل بأن يكون لدينا من التركيز ما يكفي للنظر إلى المدى البعيد، وبناء البنية التحتية الاجتماعية الجديدة لنخلق العالم الذي نريده للأجيال القادمة.

إنَّه لشرفٌ أن أكون معكم في هذه الرحلة. شكرًا لكم لكونكم جزءًا من هذا المجتمع، وشكرًا لكل ما تفعلونه لتجعلوا العالم أكثر انفتاحًا واتصالًا.

مارك
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: recode
تُرجمَ لأول مرة على ساسة بوست
تعديل الترجمة: عالم تعلم