"الإمبراطور" بوتين .. من عميل للمُخابرات إلى رئيس لأقوى دول العالم!

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي الذي اعتبره بوتين "إهانة شخصية"،أصبح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين محطَّ أنظار العالم، في سعيه الدؤوب لإعادة روسيا إلى مكانتها القوية،وهذا وفقاً لمقال نشره الكاتب"أوليفر بولوف" في صحيفة الغارديان البريطانية..

فلاديمير بوتين

كيف وصل بوتين إلى الرئاسة؟

وُلِد بوتين بلينينغراد في 7 أكتوبرعام 1952، وشَبَّ في سنوات مجد الشيوعية السوفييتية. إذ كان يبلغ من العمر تسع سنواتٍ فقط حين حمل صاروخٌ من محطة فوستوك يوري غاغارين إلى مدارٍ حول الأرض.

وفي ذلك الوقت، سيطرت موسكو على كل شيءٍ، من أفغانستان حتى المحيط المتجمِّد الشمالي، ومن ضفاف نهر إلبه في أوروبا الوسطى إلى بحر اليابان. لقد كانت إمبراطوريةً عظيمة الامتداد لم يشهد العالم المعاصر مثيلاً لها. تدخَّلت باستخدام القوة أينما كانت مصالحها مُهدَّدةً، وظلَّت أجهزتها الأمنية الرهيبة تراقب من تعتقد أنَّهم أعداؤها، في الداخل وفي الخارج.

بالطبع كان هناك مفكِّرون أحرار في الاتحاد السوفييتي، وكذلك حياةٌ سرية دأبت العمل على موضوعاتٍ اعتبرتها السلطة متجاوزةً للحدود، لكن بوتين لم يكن جزءاً من تلك الحياة.
ولكونه شخصاً مُمتثِلاً لهذا النظام السوفييتي، انضم بوتين إلى المخابرات السوفييتية في منتصف السبعينات، وشَقَّ طريقه حتى عُيِّن في الخارج عام 1985.

خَدَم بوتين في مدينة درسدن بألمانيا الشرقية، وشَهِدَ الانهيار المدوي للشيوعية من هذا المنطلق غير الواعد. لم يشارك بوتين بأي دورٍ في نشأة الديمقراطية في روسيا، أو في النقاشات التي جرت في الشوارع، أو في بوادر حركة التجارة الحرة.

"الإمبراطور" بوتين

وباعتباره عميلاً في المخابرات السوفييتية، كانت مهمته هي الدفاع عن الشيوعية، لكنَّه اضطر إلى الوقوف ومراقبة الألمان أثناء احتفالهم بسقوط جدار برلين. وعلى مدار العقدين التاليين، فقدت موسكو السيطرة على 21 بلداً.

بالنسبة لبوتين، لم يكن انهيار الاتحاد السوفييتي مجرد هزيمةٍ أو مأساةٍ، بل كان إهانةً شخصية.

عاد إلى لينينغراد، التي أُعيد الآن تسميتها بـ"سان بطرسبرغ"، وخَدَم في إدارة المدينة حتى استدعائه إلى موسكو، حيث تطوَّرت مسيرته المهنية بسرعة.

فبعد ترقيته إلى رئيسٍ لجهاز الأمن الفيدرالي الروسي، نال إعجاب بوريس يلتسن، الرئيس آنذاك، بسبب اجتهاده، وفي عام 1999 أصبح رئيساً للوزراء. وأصبح بوتين رئيس الوزراء الخامس خلال فترة 16 شهراً فقط، لكنَّه، وعلى الرغم من توقُّع الجميع أن يكون بقاؤه في المنصب الرفيع قصيراً كسابقيه، فاجأ الجميع.

في غضون خمسة أشهر، تنحَّى يلتسن ليجعل من بوتين قائماً بأعمال الرئيس، فهيمن على روسيا منذ ذلك الحين، وكانت أولى أولوياته هي استعادة الهيبة التي كانت بلاده تتمتَّع بها في شبابه. أحكم قبضته على روسيا دون هوادة، محطِّماً الشيشانيين في بادئ الأمر، ثُمَّ بعد ذلك وسائل الإعلام، ثُمَّ الأقلية التي كانت تهيمن على الحكم، ومن بعدهم أحزاب المعارضة، وذلك من أجل إنشاء ما سمَّاه المُطَّلعون "السيطرة اليدوية".

لم يتقبَّل بوتين النقد بصدرٍ رحبٍ قط (اقترح في أحد المرات أنَّه يجب قطع قضيب أحد الصحفيين الفرنسيين، بعد طرحه سؤالاً غير ودي خلال أحد المؤتمرات الصحفية)، وتسبَّبت إشارات القادة الغربيين إلى انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها أجهزة الأمن الخاصة به في تعكير صفو العلاقات بصورةٍ متكرِّرة، تماماً كما فعل تشجيع الولايات المتحدة للانتفاضات في دول الاتحاد السوفييتي السابقة التي يعتبرها بوتين مجالاً لنفوذه.

وبلغ الأمر ذروته في 2011، عندما احتج الآلاف من سكان موسكو في ذروة الشتاء ضد تزوير الانتخابات، وهو الأمر الذي حمَّل مسؤوليته لوزيرة الخارجية الأميركية آنذاك، هيلاري كلينتون.

منح ذلك تدخُّل بوتين في الانتخابات الرئاسية الأميركية مسحةً شخصية، خصوصاً عندما صوَّر ترامب الرئيس الروسي باعتباره بديلاً جديراً بالإعجاب لهيلاري كلينتون، وقال إنَّها كانت مُدانةً بالفساد، وسوء إدارة الاقتصاد، وتخريب الصناعة، وبكونها ضعيفةً في الخارج. وقال ترامب في سبتمبر/ أيلول: "إنَّ بوتين زعيم أفضل إلى حدٍّ بعيدٍ من رئيسنا".

كان ذلك غريباً، لأنَّ كل عيبٍ اتَّهم ترامب به كلينتون كان بوتين منغمساً فيه بدرجةٍ أكبر بكثير. فربما حصلت مؤسسة كلينتون على تبرُّعاتٍ من اتصالاتٍ قامت بها كلينتون، لكنَّ أصدقاء بوتين انخرطوا في أعمال النهب بدرجةٍ تجعل من أي أميركي أميناً للغاية. 

ويستحوذ العديد من أصدقائه الذين كانوا معه في سان بطرسبرغ في التسعينات على ثرواتٍ تُقدَّر بمئات الملايين، إن لم يكن المليارات، من الدولارات، ويُوجَد في روسيا تفاوت في مستويات المعيشة أسوأ من أي دولةٍ كبرى أخرى.

وفي الوقت نفسه، تلاشت قاعدة روسيا الصناعية، وأصبحت البلاد أكثر اعتماداً على الصادرات السلعية من أي وقتٍ مضى للحفاظ على حركة الحياة في البلاد. وأغرق التراجع الأخير في أسعار الطاقة، إلى جانب تأثير العقوبات الغربية التي فُرِضَت بعد مغامرة بوتين في أوكرانيا، الاقتصاد في حالةٍ من الركود استمرت لعامين.

بوتين في الحكم 

بوتين

عندما تولَّى بوتين الحكم، وَعَد بتحسين مستويات المعيشة، والصحة العامة، ومحاربة الفساد، وإعادة بناء البنية التحتية الأساسية. وحتى الآن، وبعد مرور 17 عاماً، أصبح 1.5 مليون روسي مصابين بالإيدز، ويتزايد الرقم بنسبة 10% سنوياً.

ولا يزال إدمان الكحول متفشِّياً. فقبل عيد الميلاد مباشرةً، قُتِل أكثر من 60 شخصاً في مدينة إيركوتسك بسبب تناول غسول استحمام يحتوي على مادة الميثانول. وفي المتوسط، يقل عُمر الفرد الروسي عن نظيره البريطاني بنحو 13 عاماً. وصنَّفت منظمة الشفافية الدولية العام الماضي روسيا في المرتبة الـ119 في مؤشِّرها لمدركات الفساد، متخلِّفةً عن الفلبين، والجابون، وموزمبيق، وباكستان.

كل هذا يجعل عباءة بوتين الإمبراطورية تبدو مهلهلةً. لكنَّه مع ذلك، يظل إمبراطوراً بفضل قواته المسلحة. وحتى في الوقت الذي تقلَّصت فيه ميزانية الدولة، حافظ بوتين على ميزانية جيشه أكثر من 4% من الناتج المحلي الإجمالي، أكثر من ضعف حصة الجيش في بريطانيا، وأعلى حتى من الولايات المتحدة. وهذا هو ما سمح له بالتصدي لكلٍّ من الليبرالية والسياسة الخارجية الغربية، وهو المشروع الذي سَهَّلَه انسحاب أوباما من الشرق الأوسط.

حظيت مغامرات بوتين العسكرية في أوكرانيا وسوريا بتأييدٍ واسعٍ لها داخل روسيا، وأبقت على معدلات شعبيته الشخصية فوق 80%، وحازت له دعماً من أقصى الطيف السياسي في جميع أرجاء العالم.

وقال بوتين أمام البرلمان خلال جلسات الاستماع التي اعتمدت تنصيبه رئيساً للوزراء في العام 1999 إنَّ "روسيا كانت قوةً عُظمى على مدار قرون". وأضاف: "لا ينبغي علينا التخلِّي عن حرصنا على استعادة ذلك، كما لا يجب علينا أن نسمح بتجاهل آرائنا".
وفي هذا الشأن، إن لم يكن في شؤونٍ أخرى كذلك، أُنجِزت المهمة. إذ لم يَعُد أحدٌ يتجاهل رأي روسيا بعد الآن. يُفتح باب التعليقات في وقتٍ لاحق.

المصدر: theguardian