ربما تنتهي الرواية في منتصفها !.. ما الذي يمكن أن نستفيده من فكرة الموت؟

"في اللحظة التي نولد فيها نبدأ موتنا التدريجي" غادة السمان
ليس في السؤال غرابة، ولا يحمل توجّهاً سوداوياً متشائماً.. إنني أبحث من وراء طرحه عن معنى وفائدة!
فمما لا شك فيه أن كاتب هذه الكلمات وقارئها ستنتهي رحلتهم على سطح الأرض، ليبدآ بعدها حياة أخرى؛ فإما نعيم وإما عذاب.
بل ربما تقرؤها أنت الآن؛ بينما أنا هناك، يضمّني قبر مظلم موحش.

ربما تنتهي الرواية في منتصفها !.. ما الذي يمكن أن نستفيده من فكرة الموت؟

لقد وقف كل البشر أمام فكرة الموت موقف المتأمل، دع عنك من شَغَلتهم ملاهي الدنيا وزيّنتها، إني أحدّثك عن أصحاب القلوب الحية، والعقول المنتبهة، هؤلاء أُحب الوقوف أمام تأملاتهم في فكرة الموت، وأعيد النظر مرات ومرات في فلسفتهم لخط النهاية، كيف يرون لحظة إسدال الستار؟

يوهان جوته

ودعني أبدأ معك بـ"جوته"؛ ذلك الفيلسوف الألماني الكبير، هذا الرجل عاش حياة بائسة حزينة، حتى أنه كان ينام وتحت وسادته خنجر علّه يستيقظ يوماً ويستجمع إرادته ثم يغمسه في قلبه؛ لكنه وعندما فشل في الانتحار قرر أن يكتب مأساته في رواية ويقتل البطل في نهايتها. 

فكانت "آلام فرتر"، التي أبكت الألوف، هذا الرجل الذي عاش فوق الثمانين يقول: لقد عُددت دائماً من المحظوظين، ولست أشكو من حياتي في النهاية؛ لكنه من الحق أيضاً أن أقول إنني لم ألق في حياتي سوى الحزن والهموم والعناء.. وأستطيع أن أقول إنني في حياتي كلها لم أستمتع بالراحة شهراً واحداً.. إن حياتي كانت كلها دفعاً لحجر ينبغي عليّ أن أدفعه لأعلى التل، وكلما بلغت القمة سقط الحجر إلى السفح، وأعدت المحاولة من جديد.. 

هي حياة -رغم بريقها- تعيسة إذن، مؤلمة وصعبة وبائسة، ثم يتحدث جوته عن الموت فيقول: حين أراجع حياتي من الشباب إلى الشيخوخة، وأتذكر قلّة الباقين على قيد الحياة من أصدقاء الشباب، تبدو لي الحياة كفندق صغير من فنادق الصيف!.. حين نصل إليه فإننا نصادق مَن وجدناه فيه قبلنا، وهؤلاء لا يلبثون قليلاً ثم يرحلون؛ فيؤلمنا رحيلهم، ونتحول إلى الجيل التالي بعدهم، ونوثق صلتنا بهم؛ لكنهم يرحلون أيضاً، ويتركوننا مع جيل جديد يأتي ونحن نهمّ بالرحيل؛ فلا تكون بيننا وبينهم أية صلة.

الموت

عندما أتأمل وصف جوته للحياة على أنها "فندق صيف" أراه يؤكد على أنه لا يجب لمن سكنها أن يجلس فيها مرتاحاً؛ بل يكون فيها كالمتأهب لموعد قطاره أو طائرته، واضعاً حقيبة سفره على أتمّ الاستعداد؛ فمكانه الحالي ليس مكان استقرار؛ وإنما استراحة مسافر.

ذهب لنفس هذا المعنى مفكرنا الكبير الشيخ محمد الغزالي رحمه الله؛ فبينما هو في أحد الفنادق في رحلة سفره؛ إذ تأمّل الفندق الذي يجلس فيه وقال: تُرى كم شخصاً سكن غرفتي قبل أن أسكن فيها؟ وكم شخصاً سيحلّ مكاني بعدما أغادرها، ما أوهَى علاقتي بهذه الغرفة! وأحسست أن هذه الغرفة؛ بل أحسست أن الفندق كله شبيه بهذه الدنيا تظهر بها بغتة ثم تختفي.

إن أناساً كثيرين قرّوا هنا ثم ولّوْا.. لقد رأى بعضهم بعضاً كما يرى النزلاء أنفسهم حيناً في صالة الفندق وكل مشغول بشأنه يعيش في جوه الخاص؛ فما تربطه بغيره إلا نظرة عابرة وبسمة عارضة! هكذا التقى أبناء كل جيل بأترابهم ثم.. ثم انتهوا.

إن الموت وإن كان يهوى حصد المُسنين؛ إلا أنه لا يتوانى بين الحين والآخر من قطف بعض الثمار التي لم تنضج بعد، ومن ظنّ أنه بعيد عن يد الموت؛ فهو واهم مخدوع.

 فيكتور هوجو

فيكتور هوجو الأديب الفرنسي له تشبيه عميق يصنف فيه صفعات الموت؛ فيرى بأن موت الشخص المسنّ يشبه سفينة وصلت إلى الشاطئ؛ بينما موت الشباب فهو أشبه بسفينة ضربتها الرياح وسط البحر وحطمتها، كما أن موت الشباب يشبه إلى حد كبير -حسب وصفه- رواية مثيرة انتهت في منتصفها، بما تمثله تلك النهاية من مفاجأة وفاجعة، وصدمة لكل من قرأ سطراً فيها أو أكثر..!

إن من يعيش وفي ذهنه فلسفة "فندق الصيف" قلّما تشطح به نفسه نحو نزوة أو جشع أو تجبر.

وبرغم أن الأمر حقيقة لا تحتاج لإثبات؛ إلا أن أعمالنا قلّما تدلل على إيماننا بها..

حالة الركض المحموم على ملذّات الحياة، دون التوقف للتأكد من نبل الوسيلة وطهارة الأسلوب الذي نستخدمه يؤكد على أننا في غفلة عن فهم وإدراك هذا الأمر.

وليس أبدع ولا أعمق من قول النبي صلى الله عليه وسلم لساكن الدنيا "كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل".

وكلاهما "الغريب" و"عابر السبيل"، يعيش حياته وفي وجدانه أن لا سكون ولا قعود؛ وإنما هي رحلة، تحتاج منه إلى التخفف من ما قد يثقل خطوه، أو يجذبه لأسفل.

المصدر: كتاب ما لم يخبرني به أبي عن الحياة!