كيف تحقق "وعد بلفور" بعد 120 عاماُ من التخطيط ؟!

"وعد من لا يملك .. لمن لا يستحق".. 99 عاماً على مرور الوعد المشؤوم الذي أطلقه وزير الخارجية البريطاني "آرثر بلفور" إلى اللورد "روتشيلد" أحد قادة ومؤسسي الحركة الصهيونية العالمية، حيث عُرفت تلك الرسالة التي أبرقها "بلفور" عام 1917 بوعد "بلفور" التي تضمنت وعداً رسمياً بتعهد الحكومة البريطانية بإقامة دولة لليهود على أرض فلسطين.


فهذا الوعد الذي ترتب عليه الكثير من المآسي والأحداث كان السبب وراء إحداث عدة تغيرات على المستوى الإقليمي والدولي، هذه التغيرات كانت بمجملها ديمغرافية وجغرافية وتاريخية، فصورة المنطقة العربية والإسلامية أولاً شهدت مسحا لفلسطين التاريخية ـ بالرغم من عدم اعترافنا ولو قيد أنملة بهذا المسح ـ، وتحولت هذه الأرض المباركة من صورة إلى صورة، وتم تفريغ الجغرافية من السكان وتهجيرهم... الخ.

وعد "بلفور" لم يكن وليد تلك اللحظة بل جاء تتويجاً لعمل مشترك بين الساسة الأوروبيين ويهود أوروبا اعتمد على التخطيط الذي استمر لأكثر من 120 عاماً منذ محاولات نابليون عام 1799 وحتى صدور الوعد المشؤوم عام 1971.

وعند الحديث عن فلسطين ونكبتها، لا يمكن لأي باحث أن يتجاهل الجهد التوثيقي الكبير الذي بذلته الإعلامية "روان الضامن" في سلسلتها الوثائقية التي حملت عنوان "النكبة" والمتألفة من أربعة أجزاء أولها "خيوط المؤامرة"، والذي يتناول المؤامرة على فلسطين ويكشف بأسلوب شيق ومعلومات دقيقة عن مراحل عمل يهود أوروبا منذ عهد "نابليون" وحتى حصولهم على وعد "بلفور".

وعد "بلفور" لم يكن وليد لحظة الإعلان  بل جاء تتويجاً لعمل مشترك بين الساسة الأوروبيين ويهود أوروبا اعتمد على تخطيط  استمر لأكثر من 120 عاماً
سأحاول عبر مقالي هذا اختصار وإعادة ترتيب أبرز النقاط التي وردت في ذلك الفيلم الوثائقي الذي أنصح وبشدة كل مهتم بالشأن الفلسطيني بمشاهدته.

نابليون وإسرائيل

بعد أن تحطمت آمال القائد الفرنسي "نابليون بونابرت" على أسوار عكا عام 1799 عمل على إرضاء اليهود في أوروبا سعياً لكسب المزيد من الدعم لحملاته العسكرية فخاطب يهود آسيا وأوروبا "أيها الإسرائيليون انهضوا، فهذه هي اللحظة المناسبة، إن فرنسا تقدم لكم يدها الآن حاملةً إرث إسرائيل، سارعوا للمطالبة باستعادة مكانتكم بين شعوب العالم".


وقد نشر نابليون بياناً يدعو فيه كل يهود آسيا وأوروبا للقدوم إلى القدس تحت الراية الفرنسية وتحول نداء نابليون إلى خبر رئيس في الصحف الفرنسية، وذلك في محاولة من "بونابرت"  كسب المزيد من الدعم لحملاته العسكرية، لأنه كان يعاني من عقبات كبيرة على الشواطئ الفلسطينية.

بعد هزيمة نابليون بحوالي أربعين عاماً، حاول وزير خارجية بريطانيا "بالمرستن" الاستفادة من يهود أوروبا بإن يقيم وطناً لهم في فلسطين فيكون بذلك أرضاهم من جهة، ويرد على محاولة محمد علي توحيد مصر وسورية عام 1840، فطلب من السفير البريطاني في إسطنبول محاولة إقناع الخليفة العثماني وحاشيتة بأن الحكومة الانجليزية ترى أن الوقت أصبح مناسباً لفتح فلسطين أمام هجرة اليهود.

قوبل الرفض العثماني باستجابة يهودية وكان من أوائل المتفاعلين البارون الثري ادموند روتشيلد الذي مول فيما بعد إنشاء (30) مستعمرة يهودية من أهمها مستعمرة "ريشون لتسيون" التي رفع فيها العلم "الإسرائيلي" الحالي.

عام 1885 ظهر لأول مرة مصطلح الحركة الصهيونية على يد الكاتب النمساوي ناتان بيرنباوم، وهدفها الاستيطان في فلسطين، كلمة والصهيونية مشتقة من كلمة صهيون إحدى تلال القدس. بعد ذلك نشر الصحفي الصهيوني ثيودور هيرتزل كتابه الدولة اليهودية باللغة الألمانية.

شعر "هرتزل" أن يهود أوروبا لا يزالوا متعلقين بالهجرة نحو أمريكا مما جعل الطبيب "ماكس نوردو" الساعد الأيمن لهيرتزل يرسل اثنين من كبار رجال الدين اليهود إلى فلسطين، حملا جوابًا من سطر واحد جاء فيه : (1896) العروس جميلة جداً ومستوفية لجميع الشروط، ولكنها متزوجة فعلاً.

فهم "نوردو" أن المقصود أن فلسطين ليس كما ذكر هيرتزل أرضًا بلا شعب، وأن فيها شعباً يسكنها منذُ آلاف السنين.

مؤتمر "بازل" ونشاطات "وايزمان"

في صيف عام 1897 شارك "نوردو وبيرنباوم" تحت رئاسة هيرتزل في المؤتمر الصهيوني الأول في بازل السويسرية، والذي تبنى برنامج تأسيس وطن معترف به للشعب اليهودي في فلسطين. وفي عام 1907 توجه إلى فلسطين لأول مرة " حاييم وايزمن " عالم الكيمياء البريطاني، وعضو الحركة الصهيونية العالمية، ليؤسس شركة تطوير أراضي فلسطين في يافا بدعم من عائلة "روتشيلد" بهدف شراء الأراضي بتمويل من الصندوق القومي اليهودي.

في عام 1915 قدمت لمجلس الوزراء البريطاني مذكرة سرية بعنوان مستقبل فلسطين، كتبها أول صهيونيّ يهودي يصل لمنصب وزير بريطاني هيربرت صموئيل،تم الأخذ بتوصية صموئيل في الاتفاقية السرية التي جمعت بريطانيا وفرنسا لتقسيم سوريا الكبرى، عرفت الاتفاقية باسم مهندسيها البريطاني مارك سايكس والفرنسي جورج بيكو، وضعت اتفاقية سايكس بيكو فلسطين تحت سيادة مشتركة للحلفاء لإعدادها للدولة اليهودية.. جاء في الوثيقة: 

"الوقت الحاضر ليس مناسبا لإنشاء دوله يهودية مستقله لذا يجب أن توضع فلسطين بعد الحرب تحت السيطرة البريطانية لتعطي تسهيلات للمنظمات اليهودية لشراء الأراضي وإقامة المستعمرات وتنظيم الهجرة وعلينا أن نزرع بين المحمديين ثلاثة إلى أربعة ملايين يهودي أوروبي."

"الوعد المشؤوم" 1917

بعد عام واحد وتحديداً 2 نوفمبر1917 وافق مجلس الوزراء البريطاني، برئاسة  ديفد لويد جورج، على إصدار وعد بريطاني لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، كتب الوعد على صيغة رسالة وزير الخارجية آرثر بلفور إلى اللورد الصهيوني ليونيل ولتر روتشيلد، حيث كان "بلفور" يكتب رسالته باسم الحكومة البريطانية.

وعلينا أن نعي جيدا مماسبق أن وعد بلفور لم يأتي كقفزة في الهواء، أو كهدية عابرة من قبل مسؤول أوروبي لطائفة معينة، بل أتى نتيجة عمل ماكر امتد على نحو 120عام استخدم فيها يهود أوروبا مختلف أساليب المكر السياسي والاقتصادي لتحقيق حلمهم على حساب الفلسطينيين أصحاب الحق والأرض.

وعد بلفور بين القانون الدولي والقانون الإنساني

اتخذت الحركة الصهيونية العالمية من هذا الكتاب مستنداً قانونيا يدعمون به مطالبهم في سبيل إقامة الدولة اليهودية فهل لهذا التصريح أهلية قانونية؟ وقد أجمع رجال القانون في العالم على عدم شرعية هذا الوعد للأسباب التالية:
أولاً:
إن التصريح ليس معاهدة وليس لهذه الرسالة أية قيمة قانونية باعتبار إن وعد بلفور يمنح أرضاً لم تكن لبريطانيا أية رابطة قانونية بها، فبريطانيا لم تكن تملك فلسطين وقت إصدارها هذا التصريح.

فالقوات البريطانية احتلت الأراضي الفلسطينية بشكل تدريجي بدءاً من غزة في 7 نوفمبر عام 1917 ثم احتلت يافا في السادس عشر من نوفمبر من نفس العام، و احتلت القدس في التاسع من ديسمبر من نفس العام أيضاً، و حتى ذلك الوقت كانت فلسطين جزءاً من ولايتي طرابلس وبيروت في الدولة العثمانية التي رفضت تصريح وعد بلفور، ولم تعترف بحق اليهود في فلسطين ولم يرض سكان فلسطين العرب بهذا التصريح و قاوموا مطالب الصهيونية .

فالحكومة البريطانية بإصدارها هذا الوعد قد خولت لنفسها الحق في إن تتصرف تصرفاً مصيرياً في دولة ليست لها عليها أية ولاية وتعطيه للآخرين دون أن ترجع إلى أصحاب هذا الإقليم، مما يجعل هذا الوعد باطلاً من وجهة نظر القانون الدولي و غير ملزم للفلسطينيين.

ثانياً:
إن وعد بلفور تنعدم فيه الأهلية القانونية فطرف "التعاقد" مع بريطانيا في هذا الوعد هو شخص أو أشخاص و ليس دولة، فوعد بلفور خطاب أرسله بلفور إلى شخص لا يتمتع بصفة التعاقد الرسمي و هو روتشيلد.
و من صحة انعقاد أي اتفاقية أو معاهدة دولية كما هو معلوم أن يكون طرفا أو أطراف التعاقد من الدول أولاً ثم من الدول ذات السيادة ثانياً, أو الكيانات السياسية ذات الصفة المعنوية المعترف لها بهذه الصفة قانونياً.
أما التعاقد أو الإنفاق أو التعاهد مع الأفراد فهو باطل دولياً شكلاً وموضوعاً ولا يمكن بأي حال من الأحوال امتداد أثر مثل هذا التعاقد بالنسبة لغير أطرافه وبالنتيجة فإنه ليس ملزماً حتى لإطرافه.

ثالثاً:
إن وعد بلفور باطل لعدم شرعية مضمونه حيث إن موضوع الوعد هو التعاقد مع الصهيونية لطرد شعب فلسطين من دياره وإعطائها إلى غرباء، فإنه من أسس التعاقد الدولي مشروعية موضوع التعاقد بمعنى أن يكون موضوع الاتفاق بين الطرفين جائزاً و تقره مبادئ الأخلاق ويبيحه القانون وكل تعاقد يتعارض مع إحدى هذه الشروط يعتبر في حكم الملغى و لا يمكن أن يلزم أطرافه.

رابعاً:
وعد بلفور هو اتفاق غير جائز بالمطلق ذلك أنه يجسد صورة انتهاك لحقوق شعب فلسطين وهذا يعتبر مخالفاً لمبادئ الأخلاق والقانونين الدولي والإنساني. ويرفض القانون الدولي انتهاك حق الشعوب في الحياة والإقامة في بلادها, وتهجيرها قسرا.

المصدر : 1 / 2