أكبر "عملية إحياء" لغة ميتة في التاريخ .. كيف تم إحياء "اللغة العِبرية" ؟

يَرجِع الفضل في إحياء اللغة العبرية لجهود "إليعازر بن يهودا"، الذي يعتبر رائد حركة إحياء اللغة العبرية الحديثة.. فمن هو إليعازر ؟ وما الذي قام به ؟

اللغة العبرية

إليعازر بن يهودا

ولد بن يهودا باسم إليعيزز إسحاق پرلمن في 7 يناير 1858 في مدينة لوجكي التي كانت تقع في محافظة فيلنيوس بلتوانيا (أما اليوم فتقع داخل حدود روسيا البيضاء). كان أهله يهود أشكناز متشددين بالدين ومن طائفة حسيدية. عندما كان في الخامس من عمره تيتم عن أبيه فأرسلته أمه ليتعلم في يشيفا (مدرسة يهودية دينية). عندما كان في العشرين من عمره سافر إلى باريس ليتعلم الطب، ولكنه ترك الدراسة بعد 3 أعوام قبل إتمامها.

إليعازر بن يهودا

تأثر بن يهودا بالحركة التنويرية اليهودية، والأفكار الاشتراكية والقومية التي كانت سائدة في أوروبا حينها. حملت تلك الأفكار مفاهيمَ غلب على بعضها العصبية القومية مثل "الشعب العضوي"، الذي لا يمكن أن يتحقق إلا في أرض خاصة به، وهوية وثقافة مستقلة تجمعه، وينبذ كل من غير ذلك.

في أبريل 1879 نشر مقالته الأولى حيث قال إن نهضة اليهود ستكون في فلسطين ("إيرتس إسرائيل") وإن أساسها سيكون تبني اللغة العبرية في جميع مجالات الحياة اليهودية، لأن الشعب لا يتمكن من النهضة دون لغة مشتركة لأبنائه. في هذه المقالة استخدم اسم "بن يهودا" كاسم مستعار، ثم جعله اسمه الرسمي.

في 1881 هاجر بن يهودا مع زوجته إلى القدس حيث عاش حتى آخر أيامه. في القدس بدأ يشتغل في هيئة تحرير جريدة "حاڤاتسيلت" (חבצלת) التي كانت من أول الجرائد الصادرة بالعبرية. في 1884 أسس جريدة أخرى باللغة العبرية اسمها "هاتسڤي" (הצבי).

في المقالات التي نشرها دعا اليهود إلى تبني اللغة العبرية وأبدع كلمات جديدة خاصة في مجالات الحياة اليومية إذ كان العبرية تستخدم حتى ذلك الحين في الكتابة الدينية أو في الأدب الراقي ونقصت كلمات لأشياء يومية بسيطة مثل أسماء المأكولات، ألعاب الأطفال، اختراعات تكنولجية وغيرها. كذلك عبر عن تأييده بنشطات الحركة الصهيونية الأولى وخاصة بإقامة تجمعات زراعية يهودية في فلسطين.

أصر بن يهودا على التكلم بالعبرية فقط في بيته وطالب زوجته بأن يسمع أطفالهما العبرية لا غيرها. هذا أثار اتهمات ضده بأنه يسيء معاملة أطفاله. لم يبدأ ابنه الأكبر النطق إلا في الثالثة من عمره ولكنه كان فصيحا في العبرية وتعلم لاحقا لغات أخرى. كذلك عارض أبناء الطوائف اليهودية العريقة في القدس استخدام اللغة العبرية في الحياة اليومية لاعتبارها لغة مقدسة لا يمكن استعمالها إلا لغايات دينية. أدى الخلاف بين بن يهودا وقادة الطوائف اليهودية المقدسية إلى حبسه في السجن العثماني بعد أن اتهمه القادة اليهود بالتمرد ضد السلطات العثمانية. ثم أطلق صراحه بعد تدخل بعض القادة اليهود المعتدلين. عانى بن يهودا وأبناء عائلته من الدرن.

في 1891 توفيت زوجته من المرض، أما بن يهودا نفسه فانتعش، غير أنه لم يشف بشكل تام. بعد وفاة زوجه الأولى تزوج من أختها حيمدة. في 1890 أسس بن يهودا "لجنة اللغة العبرية" التي جمعت كبار الأدباء واللغويين اليهود في فلسطين في ذلك الحين، حيث عملوا من أجل ترويج التعليم بالعبرية في المدارس اليهودية، واتخذوا قرارات بشأن الصيغة واللفظ المفضلة للغة العبرية في المدارس والمؤسسات. من أهم المشاريع التي عكف عليها بن يهودا هو قاموس شامل للغة العبرية يشمل على جميع كلمات اللغة عبر التاريخ وعلى التجديدات التي اقترحها بن يهودا. تمكن بن يهودا من إصدار 5 جلود قبل وفاته، أما زميله نفتالي هيرتس طور سيناي فأكمل المشروع في 1959 حيث أصدر 11 جلود إضافية.

لماذا تم اختيار "اللغة العبرية" لغةً قومية لليهود ؟

قد يتساءل البعض عن سبب اختيار اللغة العبرية مع أن الجماعات اليهودية آنذاك كانت تتحدث أكثر من لغة منها: اليديشية واللادينو. إلا أنه من جانب، تمثل اللغة العبرية في الفكر الصهيوني قيمة من الماضي يتوجب الحفاظ عليها. لذا وقع الاختيار على هذه اللغة دون غيرها لتكون اللغة القومية المنتظرة.

وعلى الجانب الآخر، كان للحركة الصهيونية منذ بدايتها أبلغ الأثر في القضاء على اليديشية، فصدرتها باعتبارها لغة المنفى. وصار التخلص من اللغة اليديشية لليهود في دول الشتات حتميًا، وتكوين الفكر العبري المعاصر القائم على أرض فلسطين متخذًا من اللغة العبرية وعاء لهذه الثقافة والتراث. فاختفت اللغة اليديشية ولم تعد تستخدم.

كرست العقيدة الصهيونية جهودها لإحياء العبرية عبر الاهتمام بالأدب العبري والترجمة والبحث اللغوي، وممارسة اللغة في الحياة اليومية، بجانب التعليم والمسارح.

الأدب العبري

هو الأدب الذي استطاع أن ينشئ دولة على حد وصف أحد النقاد الصهيونيين. وتعود أولى الأعمال الأدبية لعام 1856 وهي رواية "محبة صهيون" للأديب اليهودي إبراهام مابو، رائد القصة العبرية، ونشرت في روسيا. كان للرواية دور محوري في شيوع الحركة الصهيونية، وتأجيج الشعور بالحنين لوطن على أرض فلسطين.

تبعتها عدد من الأعمال الأدبية الأخرى من روايات وقصص وأشعار كُرست لخدمة الحركة الصهيونية، والتي بدورها عملت على تشجيع المفكرين والمشتغلين بالأدب في الخارج على الاستقرار بفلسطين، والمساهمة في تحويل اللغة العبرية من لغة قديمة ميتة اقتصر استخدامها على العبادة إلى لغة للأدب والحوار.

فانطلقت الأعمال من خارج فلسطين قبل بدء هجرة اليهود إليها وبعدها وفقًا للمخطط الصهيوني لإنشاء وطن قومي يجمع اليهود على أرض فلسطين، والذي وضعه هرتزل. وبعد إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948، تطور الأدب ليصبح الأدب العبري المعاصر خاصة مع إنشاء المطابع والصحف والمجلات العبرية.

مجدت كذلك المسرحيات العبرية الشخصية اليهودية، ولعبت دورًا هامًا في القومية الصهيونية، والتي تزامنت مع إعلان الدولة الإسرائيلية، فكان لمسرحية "في صحراء النقب" السبق في كشف ملامح الفكر الصهيوني، وقضية الوطن عند اليهود.

اللغة العبرية

اللغة العبرية هويةً لإسرائيل

رسخت الشخصية الصهيونية اللغة لا الدين باعتبارها هوية وثقافة قومية، فعملت تحت شعار "آخر يهودي وأول عبري".

وحول بن يهودا المفهوم اليهودي للخلاص بانتظار الماشيح لتخليص الشعب اليهودي من معاناته إلى العودة لفلسطين واستيطانها؛ فمن يلبي لها النداء هم من النخبة الذين يرفضون الشتات والانتظار السلبي، ويجتمعون في وطن عضوي يهودي وثقافة مشتركة.

فأصبحت العبرية مرادفًا للهوية اليهودية تستمر باستمرارها، لذلك تفرض إسرائيل شرط إجادة العبرية للهجرة إليها.

جدير بالذكر أنه رغم دعوات بن يهودا لليهود من أجل الهجرة لتكوين أمة عضوية على أرض فلسطين، إلا أنه كان على رأس الداعين لقبول بقاء اليهود في الخارج بشرط أن تجمعهم ثقافة مشتركة مع "الوطن الأم".

ومع أن بن يهودا عانى من المرض والجوع والاضطهاد لكنه نجح في أن يشهد نجاح مساعيه. فأصبحت اللغة العبرية اللغة القومية التي تجمع اليهود من جميع الأنحاء.

المصادر : 1 / 2 / 3 / 4 / 5