السيلفي .. هوس أم متلازمة أم مرض؟

اليوم ومع انتشار الجوالات والتقنيات الإلكترونية الحديثة، بات الإنسان قادراً على أن يأخذ صوراً لنفسه في كل وقت وفي أي مكان يشاء، ويستطيع أن يصور واقعه لحظة بلحظة، سواء عبر صور ثابتة أو عبر "فيديوهات" بل أن يجعل حياته في بث حي و مباشر، ويؤرشف حياته بحركاتها و تجلياتها كاملة، ولم يعد الإنسان بحاجة لشخص آخر يصوره كما في "الكاميرا" التقليدية .. وهذا ما يُعرف بالسيلفي.

السيلفي

فاليوم بإمكانك و بنفسك أن تختار صورتك و أن تُجمِّل من بسمتك و أن تعدل من وقفتك  وأنت تأخذ "السيلفي" لنفسك. لم تتوقف "الكاميرا" عن تصوير صور وجوهنا و وتحركات أجسادنا فقط، بل إن "الكاميرا" اخترقت أسوار بيوتنا سواء بشكل معلن أو بشكل خفي وكشفت أسرارنا، ونقلت كل ما فيها إلى الخارج.

وباتت حياتنا مكشوفة للجميع، ماذا نأكل ؟ ماذا نلبس؟ أين نحن؟ أين نتسوق؟ متى وأين سنسافر؟ لماذا اخلتفنا اليوم مع زوجاتنا؟ لماذا اليوم كنا سعداء، لم يبق هناك أية خصوصية لحياتنا و مقولة "للبيوت أسرار" سقطت في خبر كان.

ولم تتوقف "الكاميرا" عند ذلك الحد ، بل إنها اخترقت جلدنا و دخلت إلى أفئدتنا  وعقولنا ، و بقصد و بدون قصد ،أخرجنا كل ما لدينا من مشاعر، ومن أفكار، ومن خواطر، ومن تجليات، وقدمناها للآخرين على طبق من ذهب.

صحيح أن "الكاميرا" تصور الواقع كما هو بكامل تفاصيله ، لكن التصور البشري يضفي على الواقع لمسات تجعل من الصورة أكثر بريقاً..
فمن خلال – ما يسمى - وسائل التواصل الإجتماعي  نبشنا أحلامنا و أحقادنا و ترهاتنا، و لم يعد هناك شيء اسمه عقل باطن .. فكل ما نفكر به و كل ما يرسو في قاع عقلنا ظهر و بان و أصبح يعلم به الجميع .!

السيلفي والهوس 

ظاهرة السيلفي على مواقع التواصل الاجتماعي سيطرت على الناس حتى أصبحت هوساً لدى الكثيرين، العجيب أنه قد يكون لهذه الظاهرة جانب إيجابي في تسجيل اللحظات الجميلة ودون تكلف،لكن السؤال ماذا يعنيني ماذا تأكل أو تشرب أو تلبس أو ما تقوم بشرائه أو ماتطبخ أو ماحصلت عليه من هدايا، وأمور أخرى يتم التقاطها تصل للاَّمعقول، فمن الأمور العجيبة أن يقوم البعض بأخذ بعض اللقطات وهو في غرفة العمليات أو المستشفى أو في مشاركة عزاء، هل هوسنا بهذا جعلنا نفقد الكثير من المشاعر والأحاسيس. هل أصبحت النرجسية لدى البعض زائدة لدرجة المرض والهوس؟

أشارت دراسة أجرتها الرابطة الأميركية للطب النفسي أن انتشار هذه الظاهرة بشكل واسع وحاد في صفوف بعض الشباب، قد يشير إلى الإصابة باضطراب عقلي لدى مدمنيها. عندما يتجاوز الأمر إلى أن تصبح حالة مزمنة،وقد شخَّصت الدراسة حالة ناشط فيسبوكي فقد السيطرة على نفسه أمام رغبته الجامحة في تصوير نفسه على مدار الساعة، ومشاركة الصور في المواقع الاجتماعية، لـ 6 مرات في اليوم على الأقل بشكل مستمر.وهو ما قد يرتبط بنوع من النرجسية المرضية، والغريب فيما أشارت له الدراسة أن نسبة مدمنيها تصل الى 17% في صفوف الرجال بينما لا تتعدى 10% في صفوف النساء.

فنحن كسبنا الصورة لكننا خسرنا التصور ..والتصور هو أساس "الإبداع الإنساني" وفي شتى مجالات الحياة. و لا أدري إذا كان "السيلفي" يشكل حالة إيجابية أم حالة سلبية في حياتنا؟ خاصة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وهل ستبقى مجتمعاتنا قادرة أن تحافظ على سِمَتِها بأنها مجتمعات محافظة، بعد كل تلك الإختراقات في شخصيتها وفي آمالها وفي آلامها وفي أدق تفاصيل حياتها حتى في غرف النوم؟

شاركونا آرائكم وتعليقاتكم أسفل الموضوع أو على صفحة الفايسبوك :)

مصادر : 1 / 2