"إسرائيل" «لليهود فقط».. أين الجديد؟!

"إسرائيل" «لليهود فقط».. أين الجديد؟!

 تؤكد التجارب والنماذج التاريخية أن قيام الدولة، يأتي نتاجاً لحالة متقدمة وممتدة من التلاقي والتراضي بين جماعة إنسانية، استقرت طويلاً على مساحة جغرافية محددة، وأفرزت سلطة تحتكم إليها طبقاً لأعراف وقوانين معلومة.

هذا المفهوم، يكون نشوء الدولة تتويجاً لهوية الجماعة المعنية وليس سابقاً عليها، فالأصل أن الدول لا تقوم أولاً ثم تبحث لها عن تعريف ومحتوى تاريخي واجتماعي وثقافي وتراثي لاحقاً.

من ناحية أخرى، فإن نشوب الخلافات والمنازعات داخل القوام الشعبي لدولة ما، حول تعريف الهوية وأسس الانتماء أو أنماط الحكم أو توزيع الموارد، يحول الجماعة السياسية إلى جماعات وأصحاب الهوية المشتركة إلى أصحاب هويات وفرق.

وهذا هو الممر المهلك لتصدع الدول أو تفككها شذراً. وفى كل الأحوال يظل التوافق على تعيين الهوية الوطنية بمثابة مادة لاصقة، تسمح للدولة بالوجود ثم بالاستمرارية والصمود ومواجهة التحديات داخلياً وخارجياً.

في هذا الإطار، تقدم "إسرائيل" مثلاً استثنائياً مثيراً للدهشة، فنحن بصدد دولة بلغت السادسة والستين من عمرها، ومع ذلك فإن قواها السياسية وأطرها الفكرية والاجتماعية مازالت تتدافع وتتجادل ملياً حول تعريفها لذاتها وتحديدها لهويتها وجوهرها القومى!

بالنسبة لغير المتعمقين في السيرة الذاتية لنشأة "إسرائيل" وأسانيدها الأيديولوجية، قد يبدو هذا الاصطكاك والتنابز بين المتحمسين لقانون «يهودية الدولة»، كرئيس الوزراء نتانياهو وبطانته من اليمينيين الدينيين والعلمانيين، وبين الرافضين لهذا الإجراء مثل تسيبي ليفني ومحازبيها وبعض الموصوفين باليسارية، أمراً حقيقياً، لكن هناك شكوك وهواجس تراودنا حول جذرية هذا الخلاف وجديته وأصالته.

اعتقادنا أن المؤسسين الأوائل ل"إسرائيل"، قد حسموا قضية هويتها اليهودية منذ كانت مجرد فكرة، وأنهم جسدوا هذا الحسم في ما يعرف بـ«وثيقة الاستقلال»، من دون أن يضعوا «اليافطة» اليهودية عليها بشكل ظاهر. ومن يتابع التفصيلات، يجد أن معظم المواد الـ14 التي يتكون منها القانون العتيد قد ورد نصاً أو روحاً في هذه الوثيقة.

بعض المنغمسين في التدافع الصوري بين أنصار هذا القانون وخصومه من الإسرائيليين وغيرهم، لا يلحظون هذا التوافق القديم، ويبدو أنهم لا يأبهون أيضاً بما ورد في قرار الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين عام 1947، الذي سمى القسم الخاص باليهود بأنه «دولة يهودية»، كذا وبلا مواربة.

وعليه، فإن التوصيف الديني لهذه الدولة قائم في قرار الإنشاء. وهذا عوار جرى تجاهله طويلاً، وربما ينبغي التذكير به وإعادة مدارسته بين يدى التناظر المستعر راهناً بشأن هوية "إسرائيل".

علاوة على مضموني صكي إعلان الاستقلال الإسرائيلي وقرار التقسيم الأممي، ثمة مسوغ آخر للزعم بأن الحديث عن قانون يهودية إسرائيل، لا يعد مفاجأة كاملة الأوصاف، ألا وهو اختيار الحركة الصهيونية لفلسطين بالذات لإقامة مشروعها الاستيطاني لقد فضل الصهاينة المؤسسون هذا البديل من بين أماكن أخرى كانت مرشحة، كأوغندة والأرجنتين والجبل الأخضر في ليبيا ...... نظراً لصلته بأحانين روحية دينية جاذبة تصعب مقاومتها عند سواد اليهود، وذلك بغض النظر عن مدى أسطورية هذه الصلة.

هذا وإلا ما معنى الرواية الصهيونية عن «أرض الميعاد»، وما هو الداعي للملحمة المبتدعة والمبثوثة بين الصهاينة اليهود وأشياعهم من أنصار العهد القديم والاسترجاعيين عن ميراثهم في القدس وإعادة بناء الهيكل، وبقية المزاعم التاريخية الموصولة بسيرة زهرة المدائن؟ ومع هذا، فإن الجديد المحدود في القانون الجاري إخراجه، يكفي لإثارة أقصى درجات الغضب والرفض لدى الفلسطينيين.

ذلك على الأقل لأن الأبعاد العنصرية الصهيونية تجاههم تتجلى فيه كشمس الظهيرة، قياساً حتى بمحتويات «وثيقة الاستقلال»، فهذه الأخيرة تضمنت ما يوحي بعدم نكران وجودهم وبعض حقوقهم.

«إننا ندعو أبناء الشعب العربي سكان دولة إسرائيل إلى المحافظة على السلام، والمشاركة في بناء الدولة على أساس المساواة التامة في المواطنة والتمثيل».

ندرك أن هذا النص الودود جاء من باب ذر الرماد في العيون وأنه لم يطبق عملياً، لكن شيئاً عن العرب بالاسم لم يرد على الإطلاق في القانون المستحدث. مؤدى هذا التجاهل أن الدولة الصهيونية ما عادت بحاجة إلى أية أوراق توت تغطى بها سوءات محتواها العنصري، وأنها تتجه سريعاً إلى تقنين نظام " الأبارتيد "  وشرعنته ضد الفلسطينيين عموماً، شاء من شاء وأبى من أبى!

 

 

 

المصدر : http://articles.islamweb.net/